القبعة والنبي _________ غسان كنفانى
كتبهاabdalla makki ، في 8 نوفمبر 2006 الساعة: 06:31 ص
غسان كنفانى
القبعة والنبى
1- المسرح: طاولتان متشابهتان يفصل بينهما حاجز حديدي يوحي بقفص الاتهام، على انه ينبغي أن لا يكون هذا الحاجز بارزاً بطريقة تجذب النظر للتركيز عليه. القفص هذا مكون من ضلعين، الضلع الذي يفصل بين الطاولتين، والضلع بالذات قابل للحركة، بحيث يدور على مفصله المربوط إلى الضلع الأخر بسهولة، وبوسع حركة من هذا النوع، ببساطة، أن تحمل طاولة المحكمة وكأنها داخل القفص والطاولة الأخرى ( طاولة المتهم)طليقة.
نصف المسرح الذي تشغله طاولة المحكمة يوحي بالجدية والعراء، لا ديكور ولا أي شيء يوحي بمميزات خاصة.الطاولة عارية وفي أحد دروجها يوجد حبل. نصف المسرح الأخر الذي تشغله طاولة المتهم، له شخصية المنزل المتواضع، في صدره باب ينفتح على شرفة هي في الوقت ذاته المدخل إلى " المنزل "- حاجز الشرفة يبدو بوضوح للمشاهد حين ينفتح الباب.
2- الأشخاص: المتهم شاب في ملابس عادية. يكون في معظم المسرحية دون قميص، ويبدو بقميصه الداخلي طبيعياً للغاية.
رقم1 ورقم2 شخصان متشابهان، أنيقان دون إفراط، ودون ما يوحي بالرسمية.صوتاهما-بصفة عامة- حياديان وميالان للتقريرية.
السيدة: شابة جميلة وأنيقة ووالدتها مبهرجة قليلاً ومتصابية وذات مظهر عدواني إلى حد ما.
ساعي البريد يلبس ملابس عادية ويتميز بقبعة رسمية فقط، ولا يحمل حقيبة، وشديد الفضول.
3- الشيء: محور أساسي، ولذلك فتصميمه ينبغي أن يخضع لشروط لا مفر منها أولها أن لا يكون، بأي حال من الأحوال، معدنياً، ولا يمت بأية صلة لشكل يشبه الإنسان أو الحيوان أو النبات الشائع.لونه اسود وبالوسع إدخال اللون البنفسجي.ذو مظهر اقرب للقماش أو المطاط وتكوينه ويتميز بفروع مثل أوراق الشجر العريضة فوق قبة-سوف يستعمل فيما بعد كقبعة مبتكرة- أما تحريكه فثمة وسائل عديدة لذلك. أبسطها كما يبدو أن يحرك عبر ثقب في الطاولة التي لن يبرحها تدخل منها يد لرجل يجلس تحتها ولا يظهر على الإطلاق.أما الفروع فيمكن أن يعتمد في تحريكها على اهتزاز لنوابض تكون داخلها.
وفي كل الحالات: لا ينبغي أن يوحي " الشيء" بأي شيء فكاهي أو مضحك.
وبالنسبة لصوته فإن أقرب التصورات هو أن "ينطق" بواسطة مسجل.الصوت ينبغي أن يكون واضحاً للغاية ولكنه غير طبيعي تماماً، بوسع الرجل الذي سيتولى تحريك الشيء الإشراف على المسجل أيضا.
الشرطي: استعملت هذه الكلمة في وصف الرجل الذي سيكون عليه، دون النطق بكلمه واحده، تحريك الحاجز بين الفينة والأخرى. لا ملابس رسمية ولكن صرامة الرجل الرسمي المكلف. ولا تعاطف، وغالباً لا يلفت نظر أي من أشخاص المسرحية ولا يقاطع إحداثها وحوار إبطالها. من الأفضل أن يجلس هذا " الشرطي " في مقاعد المتفرجين الأولى ويتحرك منها إلى المسرح ويعود إليها، وكذلك فان وجوده على طرف المسرح الأقصى، الأقرب إليها، وكذلك فان وجوده على إطراف المسرح الأقصى، الأقرب للجمهور، ممكن بشرط ألا يلفت وجوده نظر احد إلا حين يتحرك. ينبغي أن ينسى تماماً حين لا يكون ثمة ما يفعله، ولكنه أبدا لا يدخل أو يخرج من الكواليس.
الضوء: سيتزايد دور الضوء باطراد كلما اقتربت المسرحية من نهايتها، ولا ضرورة هنا لملاحظات أكثر من تلك التي سترد في السياق فيما عدا الإشارة إلى أن تركيز الضوء على أحد نصفي المسرح ينبغي إلا يخفي تماماً النصف الأخر، ومن الضروري أن تظل أشكال الأشخاص في النصف المعتم ( سيلويت ) واضحة إلى حد ما.
على أن تصرف مخرج يلتقط المعنى الأساسي للمسرحية يظل من شأنه أغناء المسرحية.
غ.ك.
المشهد الأول
رقم1: ( وكأنه يكمل حديثاً) أما وقد انتهينا من المحاكمة فسأصدر الحكم الآن. قف كي تسمعه كما ينبغي.
المتهم: ( دون اهتمام ولكن بقليل من الدهشة ) تصدر حكمك ؟انتهينا من المحاكمة؟(يقف)ولكننا يا سيدي لم نبدأ بعد!
رقم 1: ( مخاطباً رقم 2 ) أسمعت ما قال ؟ يقول أننا لم نبدأ بعد.
رقم2: لننته من الموضوع بسرعة..دعنا نشنقه هنا والآن..أليس هذا هو الحكم الذي اتفقنا عليه؟( يخرج من درج الطاولة حبلاً ويضعه على الطاولة).
المتهم: ( يدور حول الطاولة ويمسك الحاجز بكلتي كفيه) أيها السادة دعوني أذكركم بأننا لم نبدأ! لقد قبض علي أمس فقط ولم يقابلني أحد طوال الليل ثم جيء بي إلى هنا، وكنت اعتقد أننا نجتمع للتعارف.
رقم 1: أيها القاتل.
رقم2: قاتل ووقح أيضاً.
رقم1: قاتل رهيب ( مشيراً إلى الشيء الأسود أمامه ) والجثة ما تزال أمامه وقد بدأ ينكر حتى قبل أن ندفنها.
رقم2..حتى قبل أن يجف دمها..
المتهم: دمها؟
رقم1: لننسى موضوع الدم( ملتفتاً إلى رقم2) الحقيقة أنه لا يوجد دم.
رقم2: قتلها خنقاً.
المتهم: خنقاً؟ انه شيء لا يستعمل الهواء.
رقم1: قتلته..وهذا يكفي.
المتهم: قتلته أم قتلتها؟ يا سيدي! أنا أقبل حكمكم لو تقررون إذا كان الشيء هو أو هي.
رقم1: هذه مسألة لا تخص القانون.لا تخرجنا عن الموضوع.لقد ارتكبت جريمة قتل وهذا يكفي.
المتهم: قتل من؟
رقم1: قتل هذا( مشيراً إلى الشيء الأسود)
المتهم: أنظر كيف تتهرب من الموضوع! إنني أسألك ( يعلو صوته ويأخذ حالة الهجوم) هل تسمع؟ إنني أسألك: ماهو هذا الذي قتلته.
( يتقدم " الشرطي " بهدوء ويحرك ضلع الحاجز المواجه للجمهور وينقله على محوره إلى الجهة المقابلة فيبدو القاضيان الآن في قفص والمتهم دونه).
رقم1: ( مخاطباً رقم2 ) قل له ما هو هذا.
رقم2: قل له أنت.
المتهم: أنه شيء لا يوجد فيه دم.لا يتنفس.لا يأكل .ليس من المعروف إذا كان ذكراً أم أنثى..لقد تفحصته بنفسي،ليس فيه شيء يمكن أن نسميه عضواً تناسلياً ..فكيف يمكن قتله؟
رقم1: ولكنه كان يحكي يا سيدي.
رقم2: وكان يشرب أيضاً.
المتهم: إن الاسطوانة تحكي، وشجرة الصبار تشرب-هذا لا يكفي..هل لديكم إثباتات أخري؟
رقم1: في الواقع لا..ولكن هذا لا ينهي الموضوع. قد يكون مخلوقاً عجيباً.. وعلى أي حال أنت قتلته وقد قلت ذلك بنفسك للسيدة.
المتهم: هل ادعى أحد علي؟
رقم2: ليس حتى الآن..ولكن معلوماتنا تقول أن له أخاً جاء معه ثم اختفى، وقد يظهر يا سيدي في أية لحظة ويطالب بدم أخيه..
المتهم: لا يوجد دم.
رقم2: يطالب بحياته أذن.
المتهم: إن الذي لا يأكل ولا يتنفس ولا يضاجع امرأة لا يمكن أن يكون شيئاً حياً.
رقم2: يطالب به.
المتهم: يطالب به أو بها؟
رقم1: الواقع يا سيدي إن الموضوع موضوع أخلاقي في الدرجة الأولى، لنفترض أن أخاه جاء ذات يوم وطالب به..فماذا نقول له؟
رقم2: نعم، ماذا نقول له؟ أنها لاتهم هذا الوطن فقط ولكنها تهم العالم بأسره.
رقم1: تهم الكون كله في الواقع.
رقم2: ( ينظر بحسرة إلى الشيء الأسود)لقد جاء المسكين من كوكب آخر فقتلته أنت!
المتهم: ( يبكي ) أنا أكثر حزناً عليه منكم!
( يتقدم الشرطي فينقل الحاجز فيصبح المتهم في القفص من جديد)
رقم1: (بصوت عال) إذن لماذا قتلته أيها المجرم؟
رقم2: أيها المجرم.
المتهم: لقد مات وحده.
رقم1: ولكن أنت السبب في ذلك..اعترف.
رقم2: اعترف فوراً ( يرفع الحبل ويلوح به )
المتهم: إنني أرفض هذه المحاكمة..صحيح أنني حزين ( يبكي ) ولكن هذا لا يعني أنني القاتل..( ينتعش ) ثم من هذا الذي قتل؟ ما هو اسمه أو اسمها؟كيف قتل؟تصوروا لو أنكما قررتما قتل كل حزين في هذا العالم..لن يبقى غيركما.ثم ستحزنان أنتما لأنكما ستكونان عندئذ وحدكما، وسيقتل أحدكما الأخر.
رقم1: هذا صحيح..ولكن أمامنا جريمة ويجب أن ننتهي منها..إن القوانين قادرة على تغطية كل شيء..
المتهم: ولكنكما لم تنظرا في القضية..لم تسمعا الشهود..لم تتركاني أدافع عن نفسي..
رقم1: إن الجريمة واضحة ليست بحاجة إلى إضاعة الوقت..لم يعرف هذا الشيء أحد غيرك..فمن إذن يقتله؟ كيف يمكن أن يقتل إنسان ما شخصاً لا يعرفه؟
رقم2: ( للمتهم ) لقد أحرجك هذه المرة ووضعك في الزاوية..لماذا لا تجيب؟
المتهم: إننا في الواقع نقتل الذين لا نعرفهم.
رقم1: ( يقهقه ) لقد أوقعناك في الفخ أيها القاتل..لقد ضحكنا عليك وسحبنا منك الاعتراف الكامل ربما لأنك غير خبير في هذا الموضوع، فهذه أول جريمة ترتكبها في حياتك وأنت لم تكن قاضياً في حياتك ولا مرة واحدة..وهكذا استطعنا استدراجك بسهولة..كنت تقول قبل قليل أنك لا تعرف هذا الشيء. لا تعرف اسمه ولا إذا كان شخصاً أو شيئاً ولا من هو، ولا إذا كان ذكراً أو أنثى، أي انك لم تكن تعرفه.. ولذلك بالذات قتلته.
رقم2: ( مبتسماً) ذلك لأننا – كما قلت أنت بنفسك – إنما نقتل الذين لا نعرفهم.
رقم1: إن القانون ضدك..يجب أن تعترف بذلك.
المتهم: أعترف..ولكن يجب أن تستمعا إلي..
رقم1: باسم أي شيء يجب أن نستمع إليك؟باسم القانون؟
المتهم: لا..باسم الفضول أيها السادة.(يقوم من مكانه ويتجه إلى الحاجز)
رقم1: الفضول؟
رقم2: ( ينظر بتواطؤ إلى رقم1 ) إن وجهة نظره صحيحة..باسم الفضول.
رقم1: إنني إذن أسمح لك بالكلام باسم الفضول..ولكنني سأنبهك مسبقاً إلى أن هذا لن يغير شيئاً من الحكم..إن الفضول شيء رائع ولكنه غير قانوني.
( يعود المتهم إلى مقعده ببطء، وفي اللحظة ذاتها تصعد " السيدة " درج الشرفة وتبدو عبر الباب المفتوح متجهة نحو المتهم الذي يصل إلى كرسيه ويجلس عليه باسترخاء – يخفت الضوء الموجه على القاضيين حتى يبدوان شخصين غامضين – تدخل السيدة، بشيء من الغضب ).
السيدة: ( ترمي حقيبة يدها على الطاولة وكذلك قفازيها وتبدأ بالمشي عبر الغرفة بغضب، ثم تقف وتنظر نحوه): يبدو أن علينا أن نستسلم أخيرا. وذلك بسبب جبنك وجبني معاً، فدعنا نسوى المسألة بهدوء؟
المتهم: أية مسألة؟ مسألة الجنين؟ مسألة الدين؟ مسألة المال؟ مسألة أمك؟
السيدة: كل هذه المسائل.
المتهم:لنبدأ بمسألة الجنين. يجب أن يموت بالطبع.
السيدة: نقتله بالمناصفة: مئة ليرة منك ومئة ليرة مني.
المتهم: ليس لدي مئة قرش أشتري بها رغيفاً..
السيدة: والحل؟
المتهم: أقذف بك عن الدرج، أو نتزوج.
السيدة: الزواج مستحيل ..لأن..
المتهم: لأنني لا أستطيع أن أعمل قطة، ولأنني لا أريد أن أستبدل ديانتي كما تستبدلين معطفك، ولأن الحب وحده لا يستطيع مهما بلغت حرارته أن يخبز رغيفاً.. إن أمك رائعة في اكتشاف النواقص.
السيدة: أنت في كل مرة تقول هذه الأشياء ذاتها.
المتهم: أنت في كل مرة تقولين هذه الأشياء ذاتها.
السيدة: ( بلطف مفتعل )قل شيئاً جديداً هذه المرة فقط يا حبيبي…
المتهم: (يرق)! لنتزوج! سأخطفك ونطير ويرضخ الجميع..إن العالم واسع ومليء بالفرص.
السيدة: مليء بالفرص! هل تستطيع أن تقول لي ما الذي قضى عليك إلا هذا الهراء؟ أنت تنتظر أن يسقط عليك من السقف عمل مثلما تقدم الكعكة للأطفال..إن العالم صغير..إنه أمي وغرفتك ومائتي ليرة..هذا هو العالم.
المتهم : يحاولون الهبوط على القمر أيتها الجميلة الغبية.
السيدة: ستكون أكثر سعادة لو استطعت أن تهبط السلم ،وتجرؤ على المرور أمام دكان اللحام..لقد سألني عنك الآن.
المتهم:وإذن؟
( يضيء النور فجأة نصف الغرفة الأخر حيث يجلس القاضيان. ولكن السيدة تواصل التصرف وكأنها غير شاعرة بهذا الذي طرأ).
رقم1: قل لي..هل قتلت الجنين؟
المتهم: ( يلتفت إليه ببرود ) كل الذي يهمك هو أن تصطاد لي تهمة جديدة..لماذا لا تبحث معي عن حل لهذه القصة التعيسة؟
رقم2: إنه في مأزق حقاً، دعنا نرى كيف سيتملص.
رقم1: كيف انتهى بك الأمر إذن؟
المتهم: ( فيما يتكلم تكون السيدة، التي تبدو في اللحظة ذاتها تتكلم بغضب ولكن دون صوت تلم حقيبتها وقفازها وتخرج من الغرفة بحيث تختفي وراء حاجز الشرفة في اللحظة التي ينتهي فيها هو من الكلام) لقد تعلقت المشكلة هنا. مثلها كل يوم. غضبت وصرخت وشتمت وازدادت كراهية لي. حسناً لنقل أن حبها لي تناقص عن ذي قبل، مثل كل يوم. أيها السادة، لقد أحببتها حقاً..ولكن لم يكن باليد حيلة. أعتقد إنها قصة تحدث كل يوم مع كل شخص..ولكن هل يعني ذلك إنها غير مهمة؟ أنظروا كيف صارت حالتي! كنت أشعر إنني أفقد آخر شيء لي في العالم..يا إلهي كم صرت تعيساً!( ينظر صوب الباب، حيث اختفت السيدة).
رقم2: ( مخاطباً رقم1) لنكن حذرين..إنه يحاول أن يخرجنا عن الموضوع،إنه يستدر دموعنا ليخفي كفيه الملوثتين.
رقم1: ليستا ملوثتين في الحقيقة.تذكر.لا يوجد دم.(متجهماً إلى المتهم) والآن..إنس ذلك كله..نريدك أن تحكي عن الجريمة.
المتهم: ( بانكسار ) هذه هي الجريمة أيها السادة..لقد هجرتني السيدة..هل هناك ماهو أكثر رعباً في حياة إنسان كان يخبئ الحب في جيبه كسلاح أخير للدفاع عن نفسه؟
رقم1: للدفاع عن نفسك ضد من؟ هل كان ثمة من يهددك؟
المتهم: كل الناس.كل شيء.صاحب البيت والخباز واللحام والطبيب.الغربة والوحشة والوحدة. المرض والشقاء. الشقاء الذي لا ينتهي وفرص السعادة التي لا نستطيع أن نملأها. العمل والبطالة.الانتظار والوصول. الانكسار .الفشل.طعم الانتصار التافه.القلق.نداء الرحيل الذي لا يستجاب. الخيبة.غياب الشمس وغياب الصديق وغياب الدهشة.الموت..يا إلهي! أن نراه قريباً إلى هذا الحد وأن ننتظره ليل نهار..
رقم1: ( صائحاً ) كفى! ( يلتفت إلى رقم2) هل سجلت ما قال؟
رقم2: سجلته اختصاراً..إنه يقصد كل شيء.
رقم1: حسناً، والآن أكمل.
المتهم: أن تصحو فتجد أنك لم تفعل شيئاً وأن ليس ما تستطيع أن تفعله. أن تتذكر فجأة أن لحظة ما في الماضي كانت في وقتها كل شيء بالنسبة لك وإنها الآن مثل معلبات اللحم المفرغة والمقلوبة على قفاها..أن..
رقم1: كفى! ..انك توشك أن تبكينا.
المتهم: حسناً ..هذا كان حالي عشية مقدمه ( مشيراً إلى الشيء الأسود أمامه ).
رقم1: لقد بدأت القصة الآن، انتبه.
المتهم: ( يتمدد في مقعده، فيما يغيم الضوء عن طاولة القاضيين) كنت نائماً أيها السادة. مثلما تنامون جميعاً.لا.مثلما ينام رجل مثلي فقط، لقد سمعت صوتاً ضئيلاً على الشرفة فحسبت أنني أحلم..ولكن الصوت تكرر. كان مثل استغاثة صغيرة مجهولة..ترددت كثيراً، ثم قمت..
( يقوم ببطء ، يشعل ضوءاً ويتجه نحو باب الشرفة-المدخل ينظر إلى الخارج بحذر.ثم يهم بالعودة ولكنه يقف منصتاً بانتباه شديد-نصف متشنج. حركة مجهولة صغيرة تسمع في الخارج. يعود يحمل شيئاً. يتجه إلى الطاولة ويضع " الشيء" الذي يحمله فوق الشيء الأسود الموجود أصلا هناك يبدو وكأنه وضعه الآن. يتفحصه بدقة ويهز رأسه محتاراً، ثم يلتفت إلى الناحية التي يجلس فيها القاضيان).
..كان منشوراً على الحاجز، كما تقع عليه كل يوم قطعة قماش معلقة على شرفة الجيران..
( ينتهي من التفحص ويعود بغير اكتراث إلى مقعده ليسترخي، وفجأة ينبثق الصوت: رفيعاً معدنياً وبارداً. باختصار يوحى بما هو غير إنساني ولكن دون عدوانية ).
الشيء: أبعد هذا الشيء عني لأعرف كيف أراك.
المتهم: ( ينتفض ويبربر ويتراجع، ثم يتقدم بحذر ).
الشيء: قلت لك أبعد هذا الشيء ( يتحرك ببطء وكسل ).
المتهم: أنت؟
الشيء: ستقتلني أيها الخائف..أبعد هذا الشيء.
المتهم: ( دون إرادة ) ما هو؟
الشيء: لست أدري..إنني لا أستطيع أن أراك.
المتهم: الضوء؟
الشيء: ليكن له هذا الاسم إذا كان ذلك ينهي المشكاة.
المتهم: ( يتجه إلى الضوء الإضافي ليطفئه ولكنه يتوقف فجأة في نصف الطريق- ينظر حواليه ثم يخلع قميصه بسرعة ويرتد نحو " الشيء " ويغطيه بالقميص وينهال عليه لكماً فيما ينظر حواليه مفتشاً عن أداة أكثر فتكاً..مصدراً أصواتاً غاضبة وغامضة).
( تضيء طاولة المحكمة فجأة..ويقف رقم1 منحنياً فوق الطاولة ويصرخ).
رقم1: تكاد تقتله أيها المجرم!كف عن ضربه!ألا تسمع؟ أني آمرك باسم القانون أن تتوقف.
رقم2: ( بهدوء ) وإلا أنزلنا بك أقصى العقوبات.
رقم1: إني آمرك أن تكف عن لكمه.
( يتوقف المتهم عن ضرب " الشيء " ولكنه يواصل الإمساك به بإحكام. ويلتفت صوب المحكمة).
المتهم: أتعتقد أنني أنا الذي أضربه أيها القاضي؟
رقم1: ( يعود فيجلس ) لقد رأيتك بعيني تفعل ذلك..وها أنتذا تنكر بكل صفاقة ( ملتفتاً إلى رقم2) ألم نره بأعيننا يضرب ذلك الشيء المسكين دون سبب؟
المتهم: من هنا يبدأ الخطأ..أجل!أنظروا كيف تتب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتـــــــــــــــب | السمات:كتـــــــــــــــب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























