في غابة الرؤيا نرى عناصر تتخلق: مشمولة برعب الواقع، مجبولة بالرغبة و شهوة .الاقتحام. إنها تزدرد المرارات و تثق في يأس يثمر أملا

الأفق وحده الذي يغرينا ويغوينا

و يهدينا الحلم، نحن المخبولون بالكتابة، في غموض الملابسات اللانهائية التي تسمى الحياة. قادر أن يمنحنا لذة الاكتشاف و رجفة العناصر عند الاتصال. عوالم تنأى بعيدا عن القداسات والخرائب. تلك هي ابتكارات الحلم الذي به ننجو من التلوث والتفسخ

.ونشهق في بهاء الكون أن يكون

قاسم حداد


مصرع ألماس

كتبهاabdalla makki ، في 4 يناير 2007 الساعة: 07:17 ص

مصرع ألماس

 

كان ألماس بعبع الطفولة، وكنا نهدد به، نحن أطفال حي العقيبة بدمشق، على مدار سنوات طويلة من طفولتنا. وكان لفرط خوفنا منه يبدو لنا عملاقا يطال النجوم، ويأكل في الوجبة الواحدة جملا، وفي أبسط الأحوال خروفا محشيا. وكنا نتمنى أن نصبح مثله عندما نكبر، يخافنا الناس، ونضع في أوساطنا، مثله، خنجرا ومسدسا، ونعبر المقبرة في الليل من دون أن يصيبنا الهلع.

وكنت أنا بشكل خاص مولعا به، رغم خوفي الدائم منه، إذ كان بيتنا ملاصقا للمقبرة، ولغرفة نومنا نافذة تطل مباشرة على ساحتها. وما أن يحين الليل، حتى ترخي أمي ستائر النوافذ، وتمنعني من الاقتراب منها إو الإطلال عبرهأ، ذلك أن ألماس يذرع المقبرة في الليل جيئة وذهابا، أو يأكل ويشرب مع أرواح الموتى. وربما يجلس تحت جذع شجرة الجوز الضخمة ويتحاور مع الجان والعفاريت. وكثيرا ما روت أمي عنه أخبار نقلتها عن أبي، منها أن ألماس التقى ذات يوم بطفل صغير يبكي في المقبرة، فاقترب منه يسأله عن سبب بكائه، ثم عرف أنه ضائع عن أمه، وكان يود أن يذهب إلى المخفر، لولا أن الطفل صاح بألماس "أنا عفريت يا عمي، أنا عفريت." عندئذ نظر ألماس إلى قدمي الطفل، فلاحظ أنهما تشبهان قدمي غزال، فسأله عن أمه أين هي، وأين تركته. قال الطفل العفريت: "ما زالت هنا في المقبرة."

شرع ألماس ينادي على العفريتة أم العفريت كأن الأمر عادي جدا، إلى أن ظهرت بين القبور بوجهها المرعب، وعنقها المشرئب كعنق زرافة، فتقدمت من ألماس وأخذت طفلها من بين يديه دون أن تقول كلمة.

وتعقب أمي على القصة بقولها:

"ألماس رجل شجاع. حتى العفريتة لم تستطع أن تؤذيه لشدة تهيبها منه."

ومع الأيام نما ألماس في مخيلتنا، كما ينمو الشجر وسط الغابات. وكثيرا ما كان رفاقي يحدثونني عن قصصه التي سمعوها عنه من أمهاتهم.

قال لي أحدهم مرة: حدثني أبي قال: هاجمت حينا ذات ليلة دورية من رجال الأمن يرافقها ضابط فرنسي، بحثا عن ألماس المتهم بقضايا سلب وتهديد. وعندما بدأ الضابط التحقيق مع سكان الحي، تسرب أحدهم إلى المقبرة وأخبر ألماس، فسخر ألماس ضاحكا، وقال له: "إن كانوا يتجرأوا فليدخلوا المقبرة."

عرف الضابط الفرنسي أن ألماس موجود في المقبرة، فصمم على إلقاء القبض عليه، وطلب دعما من قوى الأمن، فحضر على الفور المزيد من أفرادها، وحوصرت المقبرة من معظم جهاتها إلا الجهة المفتوحة على البراري لصعوبة حصارها غي هذه الليل المدلهم.

وما أن شرع الجنود بقيادة الضابط الأشقر دخول المقبرة، حتى ارتدوا إلى الوراء خائفين. صاح بهم الضابط مؤنبا. لكن جنديا من القوة أشار بيده إلى أطراف المقبرة البعيدة، وما أن التفت الضابط حيث أشار الجندي، حتى رأى بأم عينيه عشرات من الأشباح البيضاء تتحرك هبوطا ونزولا بين الأشجار المحيطة بالمقبرة. صاح مبهوتا: "ما هذا؟ يا إلهي. ماذا أشاهد؟" صاح أحد سكان الحي: "إنها العفاريت. العفاريت يا سيدي. عفاريت العم ألماس. إنها تحميه، تدافع عنه، ولن تسمح لكم بالاقتراب من المقبرة."

وقع الضابط في حيرة شديدة. ماذا يفعل؟ وهو عمره ما رأى أشباحا ولا أشكالا ولا عفاريت من هذا النوع. ولا يعرف أبدا أن فوق الأرض عفاريت. حزم أمره ثانية وأمر القوة أن تتقدم، إلا أن أفرادها هذه المرة كانوا أشد تصميما على عدم خوض هذه المغامرة، فمعظمهم يريدون العودة إلى إلى أسرهم وأولادهم، ولن يخاطروا خصوصا مع العفاريت التي لن تؤثر فيها طلقات الرصاص.

وأخير اقترح مساعد الضابط تأجيل الهجوم على المقبرة حتى الصباح، وفي هذه الأثناء استطاع ألماس بخفة النمس أن يتسلل من المقبرة إلى البراري الواسعة يسابق بساقيه الطويلين الريح.

شاعت قصة العفاريت في الحي، حتى بات الناس تخشى ألماس نفسه.

وذات يوم، وهو في مقهى الحي، يجلس مدخنا نارجيلته، وقد ركز طربوشه الخمري على جبينه حتى حاجبيه، روى لحشد من الناس حول قصة العفاريت. قال لهم:

"يا شباب ألا تعرفون أن الجان والعفاريت نزلوا تحت الأرض منذ جاء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام برسالة الهدى لكل الناس، وهو بيديه الطاهرتين أقفل عليهم قشرة الأرض؟ فما بالكم قد صدقتم حكاية العفاريت، وأنا صانعها؟ أسمعوا يا شباب، فاقترب منه الجمع أكثر، والتصقت به العيون مشدوهة، تريد أن تعرف المزيد عن حكايات هذا الرجل الغريب.

قال ألماس:

"عندما عرفت أن الضابط الفرنسي سوف يحاول اقتحام المقبرة، وكنت أعددت لمثل هذه اليوم صلبانا من أغصان الشجر، وربطتها جميعا بخيوط تشبه خيوط كراكوز وعواظ (خيال الظل) التي يلعب بها أمامكم محرك هذه الدمى مساء كل يوم وراء شاشته الصغيرة. وهيأت عدة عباءات بيضاء، خبأتها داخل المقبرة، وما أن عرفت بنبأ الهجوم على المقبرة حتى أسرعت وألبست تلك الصلبان عباءاتها بيضاء، ورحت أحرك خيوطها مجتمعة بيدي، وأنا مختف خلف شجرة الجوز الضخمة، فبدت عن بعد، وتحت ضوء القمر الشاحب، كأنها أشباح تتحرك بين الفضاء والأرض متراقصة بين الريح والشجر، فخيل لذلك الجبان الفرنسي وصحبه أنهم فعلا أمام مجموعة من العفاريت."

—–

مقطع من رواية مصرع ألماس لياسين رفاعية.
الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع، لبنان (1981). ص 11-16.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتـــــــــــــــب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



لا نبحث في السطح. بل نحاول اقتحام الباطن. لا نكتفي بالمعطيات والنتائج، إنما نغزو الموقع الذي منه تتشكل العلاقات والحالات. فالذي يرصد الظواهر يتعين عليه أن يتقن الإمساك بالعناصر و الأبعاد، مسلحا - لا بالحدقة وحدها ولكن - بالغريزة والحدس والرؤيا وبعض مهارات الحاوي أو الساحر. أي أن يكون مزيجا من
: الشاعر والروائي والفيلسوف والكيميائي و الساحر، عندئذ

التفاحة تصير منجما، والخوذات للزينة