الكتابة عند خط التماس… تبادل الأدوار: الجلاد ضحية الروح الحيّة
كتبهاabdalla makki ، في 24 يناير 2007 الساعة: 13:27 م
عدنان حسين احمد
تابعنا في رواية " القلعة الخامسة " كيف تتحول الضحية إلى جلاد. وفي رواية " مدينة من رماد " التي صدرت عام 1989 سنتابع كيف يتحول الجلاد إلى ضحية هذه المرة لنؤكد صحة ما يذهب إليه الروائي فاضل العزاوي من أن الجلاد هو الوجه الآخر للضحية، وهو مرشّح للسقوط والتحوّل من جلاد إلى ضحية، مثلما يمكن للضحية أن تتحول إلى جلاد، وتتماهى فيه، وتقبل بمصيرها الذي ترسمه لها سلفاً السلطة الفاشية.
وكلاء الأمن الروح الميتة
وقبل الخوض في تفاصيل هذه الثيمة نود الإشارة إلى أن العزاوي قد أفاد من أحداث شتى متفرقة، بعضها أحداث ذاتية، وبعضها الآخر موضوعية. وقد صهر هذه الأحداث بطريقة فنية عالية الجودة ضمن بنية روائية واقعية لا تشذ كثيراً عن واقعية " القلعة الخامسة " لكنها تختلف بالتأكيد عن " مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة " التي أثارت الكثير من الجدل في حينه، لكونها رواية مختلفة من وجهة نظري، أو لأنها نص مفتوح يجمع بين أجناس أدبية متعددة لعل أبرزها " رواية- قصيدة " غير أن طموح الكاتب كان أبعد من ذلك التوصيف بكثير لأنه كان يروم الوصول إلى كتابة نص مفتوح يجمع، ويذوّب أغلب الأنواع الأدبية والفنية مستعيناً بتقنية الكتابة الآلية، أو الحلمية، أو الاستبطانية، أو الفنتازية أو ما كان يسمّيه الروائي نفسه بـ " الكتابة عند خط التماس ". وجدير ذكره أن العزاوي قد سُجن غير مرة في ظل الأنظمة الدكتاتورية المستبدة التي هيمنت على السلطة في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي وقد أمضى ثلاث سنوات في سجون مختلفة في بغداد والحلة ولم يخلَ سبيله إلاّ في بداية عام 1965 وعاش تجربة السجن بتفاصيلها المملة حيث كان يقاوم العزلة الروحية بكتابة القصائد، والمذكرات، والانطباعات اليومية عن التعذيب، والانتهاك المتواصل الذي يتعرض له السجناء من دون مراعاة لأي حق من حقوقهم الإنسانية المشروعة. ولتأكيد صحة الإشارة التي أوردتها أن العزاوي كان يفيد من مشاهداته الشخصية ويوظفها بطريقة فنية مرهفة سأورد إقتباسين الأول من كتابه النقدي المعنون " الروح الحية " حيث يقول " في معتقل مديرية الأمن العامة التي كانت تقع في منطقة السعدون والذي وجدت نفسي فيه بعد ثلاثة أيام من انقلاب شباط 1963 الدموي رأيت الشيخ الكبير الشاعر محمد صالح بحر العلوم معلقاً من يديه بالنافذة، بحيث لا تمس سوى أصابع رجليه الأرض في غرفة صغيرة لصق المراحيض. لقد ظل كذلك طوال الليل بدون أن تصدر منه نأمة واحدة“. والثاني من رواية "مدينة من رماد" حيث نقرأ الوصف الآتي: " وسمع المعاون قاسم حسين البوابة تغلق وراءه فواصل هبوطه، ثم توقف عند المدخل وألقى نظرة طويلة على الرجل الذي كان يقف على رؤوس أصابعه، مُعلقاً من يديه بسلسلة حديد إلى نافذة مغلقة عالية".
وبالرغمٍ من أنّ هذه الرواية تستجلي ثنائية الجلاد والضحية، وتبادلهما للأدوار، وتماهي بعضهما ببعض، إلاّ أنها من جهة أخرى تكشف عن الطبيعة الفظة للأنظمة القمعية الفاشية التي تعاقبت على حكم العراق، وحاولت أن تحطّم الروح الحية للمثقفين والسياسيين العراقيين بواسطة الترغيب تارة، والترهيب تارة أخرى. كما تكشف الرواية عن جوانب من حياة " وكلاء الأمن " والمخبرين السرّيين، ورجال المخابرات الذين يترصدون حركات الناس، ويحصون عليهم أنفاسهم من أجل تحويلهم إلى ضحايا خانعة تنتظر مصيرها المأسوي الغامض. ولغرض البحث في تفاصيل هذه المحاور والوصول إلى استنتاجات نقدية معقولة سأتابع تطور هذه الشخصية الأمنية عبر مراحل النص الذي شهد بدايتها، وذروتها، ونهايتها الدرامية بسبب حادث دهس مُدَبر من قبل أفراد دائرته الأمنية التي حوّلته من جلاد إلى ضحية بعد أن أيقنت أنه فقد صلاحيته، ولم ينفّذ الواجبات الموكلة إليه بحسب قناعاتهم وتصوراتهم الشخصية.
تفكيك السلطة
إن استهلال فاضل العزاوي في رواية " مدينة من رماد " بشخصية قاسم حسين، معاون أمن، " في مديرية الأمن العامة " في بغداد له أكثر من دلالة. ففضلاً عن إشاعة الخوف، والترقّب، والتوتر، وانتظار فاجعة ما لا بد من أن تحدث في متن هذه الرواية، فإن الروائي المتمكن فاضل العزاوي كان يبتغي تفكيك آلية السلطة الفاشية في العراق، وتحليل خطابها الفكري القائم على القمع، ومصادرة الحريات، وتغييب الناس في السجون والمعتقلات، وتصفية الضحايا والجلادين أيضاً كلما دعت الحاجة إلى ذلك. ومن الجدير بالذكر أن العزاوي معروف بأسلوبه الميتاواقعي الذي يعتمد على التجريب والتغريب والفنتازيا، ومنْ يقرأ نصه المفتوح الأول " مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة " سيكتشف من دون لأي ولعه الحاد بالغرائبية ثيمة وأسلوباً، غير أنه في " مدينة من رماد " وفي " القلعة الخامسة " يعتمد الأسلوب الواقعي النقدي الذي يقوم على عدّة فنية قادرة على الكشف، والفضح، والتعرية في البداية ، ثم تفكيك الخطاب القمعي الذي يأخذ أشكالاً متعددة كالفاشية، والنازية وسواهما من المظاهر التي تتصف بها الأنظمة الشمولية المتخلفة في العالم. تكشف " مدينة من رماد " صورة لبغداد في النصف الثاني من القرن العشرين بأزقتها، وشوارعها، وباراتها، وسينماتها، وحشودها البشرية التي تتقاطع خطواتهم على أرصفة الشوارع. وبواسطة هذه الصورة الصادقة يتعرف قارئ النص إلى طبيعة حياة معاون الأمن قاسم حسين، وإيقاعها الذي يبدو مَلغوماً، ويوحي إلى أن ثمة أشياء كثيرة سوف تقع لاحقاً. يتعمّد الروائي فاضل العزاوي تفكيك شخصية معاون الأمن قاسم حسين، لأن هذه الشخصية هي أنموذج للجلاد في ظل نظام الحكم الدكتاتوري الشوفيني، هذا الجلاد الذي سيتحول إلى ضحية لاحقاً، فيبدو أنهما وجهان لعملة واحدة، وأن النظام الدكتاتوري لا يريد في النهاية إلاّ تحقيق مآرب رمزه الأوحد. ولمعرفة طبيعة هذا الخطاب الفاشي، ومسرى حركته الداخلية والتي يتقصد هذا النظام إفشاءها وتعميمها على الناس بغية تخويفهم وبث الرعب في نفوسهم علينا أن نتابع قاسم حسين كي نصل إلى هذا الاستشفاف. فمثلا عندما يدخل هذا المعاون إلى غرفة " القيود السرّية " ويتناول ثلاث إضبارات قديمة يكسوها الغبار، ويضعها على طاولة رجل عجوز منهمك في تسجيل أسماء جديدة وردت إليه، يبدي هذا الرجل العجوز نوعاً من الامتعاض خشية أن تضيع هذه الإضبارات لأن بعضهم لا يعيدها إلى غرفة القيود السرية فيضطر للبحث عنها لأنها تمثل بالنسبة إليه وللنظام الفاشي الذي يمثله " أرشيفاً للإدانة الدائمة " للمتمردين على القوانين، والخارجين على الأعراف والتقاليد المرعية. ثم يتساءل قاسم حسين وكأنه يريد أن يكشف لنا أداة أخرى من أدوات النظام القمعية، والتي تعمل بسرية شديدة، قائلاً في سرّه: " ما الذي يقلق هذا العجوز؟ أتراه يخشى أن يفلت منه بعض الذين يحتفظ بمصائرهم بين أوراقه؟".
محاكم تفتيش العقل
إن شخصية رجل الأمن العجوز موجودة في كل الأزمان، ولكنه في ظل الأنظمة الفاشية يخشى على نفسه أكثر مما يخشى على فقدان ضحيته، فهو من دون أن يدري يمثّل الوجه الآخر لها، وقد يتعرض إلى عقوبة مماثلة لما تتعرض له الضحية، وربما أبشع منها في بعض الأحوال! فالجو الأمني في مثل هذه الدوائر الأمنية والمخابراتية هو جو مشحون ومكهرب على الدوام، ويرتكز على الشك بكل شيء. فالمعاون قاسم حسين لا يطمئن إلى المعاون يوسف، وهو زميله في العمل، كما أن الرجل العجوز، المسؤول عن الإضبارات القديمة لا يطمئن للجميع، وكل واحد منهم يخشى أن يكون الضحية القادمة حتى ولو اشتركوا في مراقبة الناس، والتربّص بهم، واصطياد أخطائهم، ومثالبهم، ثم تعذيبهم أو قتلهم بطرق لا إنسانية بشعة. فالمعاون يوسف يشعر بأن قاسماً قد بدأ يبتعد عن أصدقائه في الدائرة لأنه يسكر وحده، وربما يستمتع بخلوته وعزلته، وهم في حقيقة الأمر يريدون أن يعرفوا ماذا يدور في عقول أقرانهم في العمل. إنه نوع من محاكم التفتيش للعقل والقلب والضمير، كما أنهم يريدون لمنتسبيهم أن يفكروا في صوت عالٍ، وأن يكونوا نسخاً فوتوغرافية بعضهم عن بعض تأكيداً لنظرية القطيع، والتماهي بعقلية الدكتاتور الواحد الذي يفكر نيابة عن الجميع، وبالتالي فلا حاجة للتفكير الفردي أو الصامت على الأصح، لأن التفكير الصامت يبعث على الشك والريبة، وهذا ما لا تريده الأنظمة القمعية المستبِدة. يضع قاسم الإضبارات الثلاث أمام المعاون يوسف طالباً منه أن يدرسها جيداً لأن القضية تتعلق" بالخط المائل داخل الدائرة". يستغرب المعاون يوسف من وصول هذا الوباء إلى مديرية الأمن، بينما يؤمن قاسم حسين أن " هؤلاء الناس الذين يعملون في هذه الدائرة هم أشد فتكاً من أي وباء في الوجود! إذاً، هناك أناس أسماهم يوسف بالخونة، ولو تعلق الأمر بهم لرماهم بالنار، بدلاً من أن يقدموا حتى إلى المحاكم العسكرية.
يؤكد بطل الرواية أن وظيفته الجديدة هي مصادفة محض ليس غير، ولكنه نفسه يعيد هذا السؤال على نفسه غير مرة " أتراها كانت صدفة بالفعل؟ " وكأنه يريد القول إنها لم تكن مصادفة فعلاً. لقد تغيّر قاسم كثيراً، فالمهنة لها شروطها، وتقاليدها اليومية، وثقافتها الخاصة. كان يحاول إقناع نفسه بأنه لم يدافع عن نظام محدد بعينه، وإنما يقف في مواجهة الفوضى، ويحاول أن يحدّ قدر إمكانه من الجريمة، ولكنه نسي أن المهنة قد تُنسي رجل الأمن القواعد التي درسها، فيسقط من دون أن يدري في العادة، عادة التعذيب، وعادة القتل أحياناً، وربما تستشري فيه هذه الخصلة فيتحول إلى مجرم لا يرتاح له جنب ما لم يرَ يومياً منظر الدماء القانية وهي تسيل أمام عينيه! في البدء كان يسأل نفسه سؤالاً مؤرّقاً واحداً وهو: " أيستطيع أن يقف أمام ضحيته، ويعذبها فعلاً كما يفعل بقية الجلادين؟ " وكانت القناعة المخالفة لديه تمنحه امتيازاً هائلاً، وشعوراً بالاختلاف عن القطيع! بل إنه تمادى في قناعته إلى الحد الذي شعر فيه أنه قوي فعلاً، ومميز عن الآخرين، ولهذا السبب فقد ظل شهوراً طوالاً يخجل من ممارسة التعذيب الذي يعد جزءاً أساسياً من شروط مهنته. كان هذا هو الحاجز الوحيد الذي يقف أمام سلطته الجديدة، هذه السلطة اللعينة التي ستخترق قيمه وعاداته وتقاليده وثقافته الخاصة. وفعلاً، جاء هذا اليوم، عندما وقف أمامه شاب خائف مثل فأر، فضربه أول ضربة، ثم تدفق سيل الضربات ولم يتركه إلاّ وهو مدمىً، مُعتقداً أنه قد قوّض الحجارة الأخيرة من بنيانه المشدود. " إنني كنت مع كل صفعة إنما أهدم آخر حجارة في الحاجز الأخير.
التهدم
يعتمد الروائي فاضل العزاوي على بنية الاستعادة الذهنية كثيراً، ويقطع غالباً سرد الحدث ثم يعود إليه بعد مدة محددة من الزمن حسبما يقتضيه السياق الفني للزمن الروائي. فجليل محمود لم يعرف عنه القارئ حتى الفصل الخامس سوى معلومات مبتسرة تؤكد أنه مناهض للنظام الحاكم، وأنه موقوف الآن في مديرية الأمن العامة، ويتعرض لأبشع أنواع التعذيب، غير أن العزاوي كان يتعمد عبر تقنية " الاستعادة الذهنية " أن يسلّط الضوء على ماضي جليل، هذه الشخصية المعتقلة الآن، والتي تُنتهك يومياً من قبل الجلادين. فنعرف معلومات إضافية عن جليل محمود، تسلط الضوء على طبيعة العلاقة التي كانت حميمة في يوم من الأيام. كان قاسم يدرك جيداً أنهم يريدون منه أن يستثمر الصداقة القديمة التي تربطه به، فربما يبوح لصديقه ما لم يبح به للجلادين الذين تناوبوا على تعذيبه. كما لفت المدير انتباهه إلى أهمية إتباع أسلوب الترغيب والترهيب معه، فهو متورط من وجهة نظرهم لأنهم وجدوا اسمه بين عدة أسماء داخل أحد الأوكار السرية التي دهموها، وهذا يعني أنه يهدد أمن البلاد. لقد أوكلوا إلى قاسم مهمة التحقيق معه، وهي مهمة شاقة لم يكن قاسم ينتظرها قط كي يتفادى الوقوع بأي إحراج. ثمة صوت جانبي آخر لقاسم نسمعه بين الفينة والفينة يحثه على أن يتعلم كيف ينظر في عيون الرجال المذعورين. ألم يتعود قاسم من قبل كيف يلطخ يديه بدماء الضحايا، ويتمادى في الضرب والتعذيب حتى تتقوض آخر حجارة في الجدار؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : جامــــــــع الفــــــــراشـــــــــات | السمات:جامــــــــع الفــــــــراشـــــــــات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























