في غابة الرؤيا نرى عناصر تتخلق: مشمولة برعب الواقع، مجبولة بالرغبة و شهوة .الاقتحام. إنها تزدرد المرارات و تثق في يأس يثمر أملا

الأفق وحده الذي يغرينا ويغوينا

و يهدينا الحلم، نحن المخبولون بالكتابة، في غموض الملابسات اللانهائية التي تسمى الحياة. قادر أن يمنحنا لذة الاكتشاف و رجفة العناصر عند الاتصال. عوالم تنأى بعيدا عن القداسات والخرائب. تلك هي ابتكارات الحلم الذي به ننجو من التلوث والتفسخ

.ونشهق في بهاء الكون أن يكون

قاسم حداد


قلبين في حقيبة سفر

كتبهاabdalla makki ، في 27 مايو 2007 الساعة: 14:21 م

عندما يجالس المرء نفسه وحيدا تسوقه الذاكرة إلي مشاهد وذكريات قديمة .. ولكنها عالقة بالعقل الباطن والذاكرة الخلفية ..
وهكذا كان حال حال الطريفي …

كان يجالس نفسه على تلك المحطة وهو ممسكاً بتلك القصاصة الصغيرة من الورق التي أخرجها من بين أوراق أخرى تسكن جيوبه بحثاً عن رقم معين عانده الحظف في العثور عليه لإجراء مكالمة تمني لو أنها لا تكتمل حتى يعود للبيت مواصلاً تلك الساعة التي بدأها في النوم منذ يومين …

منذ يومين لم ينم ..! رغم أنه كان يضع رأسه على الوسادة باكراً إلا أن فشله الذريع في اجبار خواطره وذكرياته على الإستلقاء معه في نفس السرير كان هو المالك الحقيقي كان هو المالك الحقيقي لكل ما فيه حوجة للنوم.

حتى تلك الساعة التي التقى فيها الإقفاء .. والخاطر على وسادة واحدة لم تسلم من هاتفه الجوال .. وعبره كانت احدى العميلات التي تشكو من عطل على جهازها الحاسب . . .

استقر في باطن ملابسه بعد ثلث ساعة ونزل ودار كثيراً باحثاً عن عنوانها … يا له من شخص … في كل مرة يذهب فيها يتوه من مكان احد عملائه .. وكالعادة يقول لنفسه: "لقد مررت من هنا يوماً ما … لقد اصلحت احدى احد الاجهزة في هذه البناية من قبل … ودائماً ما يلحقها بـ على ما اظن ……) ..

بحث في جيوبه عن نمرتها لتدله على العنوان ولكنه لم يعثر إلا على زكرى قديمة كانت بين الاوراق … تناولها وجلس على المحطة.

تناولها ونسى عميلته .. نسى حتى أن رقمها يمكن له أن يجده بين الارقام على هاتفه..!!؟

عاد بخاطره الى الوراء … عاد الى وطنه الى تلك الشوارع والاماكن التي طالما قضوا فيها ايام شهدت مجدهم …
(ههههههه) مجدهم !!؟ يا له من مجد !!
هكذا كان يقول لنفسه .. اي مجد يجعل قصة حب عنيفة تنتهي بالزواج .. نعم بالزواج .. ولكنه من إنسان لم يكن على خارطة تلك الشوارع … كما الأفلام السينمائية يبرق فقط عن تشغيله ويبلغ الذروة ويهبط الى القاع في سرعة غير متناسبة …؟

ظل في ذلك المكان لساعة .. ولا زال ممسكاً بقصاصة الورق ولا زال مبتسماً …
تساءل والابتسامة لم تفارق وجهه كما القصاصة
ما هذا الذي كنت اعيشه يا ترى ..؟؟
هل الفرق بين الماضى والحاضر شاسع الى هذا الحد ..؟
أم ان الانسان يحتاج الى ان يكون بعيداً وحيداً حتى يعرف الكثير من الحقائق ..؟
هل انني كنت اعيش وهماً ظننته حقيقة …؟ هل كنت أظن انني احبها …؟ وعندما علمت غير ذلك لم أندم … رغم حزني لمعرفتي انه وهم … أم ان المقارنة المحرمة التي اجريها الآن هي سبب دهشتي وتساؤلى …
أم ماذا ..؟

 

تلك المقارنة الغريبة التي تعطي الماضى كل زخم الاحداث … ومفرداته بكل عمقها حزن، سعادة، ذكريات، ألم، رسائل ولقاءات و …. وتعطي الحاضر فقط وجهاً بملامح قديمة على الخاطر بذكريات مشوشة وكلمات قليلة ولكنها الاصدق والاكثر حضوراً …

رجع بذاكرته كثيراً … حيث طفولته وتذكر تلك الرحلة التي قام بها مع والدته حيث منزل اقربائهم تلك الأسرة المكونة من أم وأب واربعة أبناء وخامستهم تلك الصغيرة والتي ما زال يتفرس ملامحها البريئة والبشوشة في خاطره وهو الآن تجاوز العقد الثاني بثمان أعوام.

ما زال يذكر حينما ايقظته ذات يوم في بكريات صباح هاتفة بصوتها الذى يشع براءة ويفرهد إلفة:
-الطريفي قوم اشرب الشاي …

فاستيغظ من نومه مبتسماً على وجهها الملاك
كانت وقتها في الخامسة من عمرها …

توقف هنا كثيراً بذاكرته التي اتخذها آنذاك الصغيرة محور الشجن فيها.

كانت هذه المحطة هي بداية لرحلة طويلة .. رحلة الشجون فكأنما كان كوب الشاي ذاك .. هو الزاد لرحلته المشحونة بماضي الإلفة والصدق والدفء في حاضر محاصر بثياب مجهولة دواخلها زيف وبهتان وكأنما الرحلة هذه مطارحة زمنية بين الماضي والحاضر بكل معطياتهما وتداعياتهما.

ما زال في غمرة صمته حالماً لم يبرح مكانه .. والوان من الحنين الى ذاك الماضي تصبغ عينيه . ساقه شريط الذكريات إلي تلك الأماكن والأزمان البعيدة التي يشتاقها وتشتاقه الآن.. والشوارع والمحطات والحدائق وأحلامه زمان كيف كانت وكيف صارت ..!!

وفي هذه الاثناء .. رن هاتفه قاطعاً كل تلك الخيوط التي كانت تنسج اللحظة … يبدو ان عميلته قد ملت سيناريو الانتظار المتكرر اثر توهان الطريفي المتكرر فتردد برهة قبل أن يجيب:
- ألو
- ايوة يا الطريفي انت اتأخرت ليه …. اوع تقولي تهت؟

قال بشيء من المرح حتى يخفي حرجه:
- اذا كان انتو ساكنين في غار ..!
فضحكت بروحها المرحة قائلة عذبتني معاك يا الطريفي وارسلت له طفلها الصغير الذي اخذه للبيت فاصلح جهاز الحاسب وعاد ادراجه.

الطريفي شاب في مقتبل عمره عاش وترعرع بمدينة ود مدني الحالمة كأهلها تربى في بيت صغير يضم خاله وجدته الحنون التي احبته واحبها منذ صغره فكانت له الأم والأب والصديق حتى أن والديه كانا يغيران احياناً لتلك الرابطة التي تربط ما بين الطريفي وجدته ..
فتعلم منها الحكمة والبساطة وشرب من يم حنانها بمهل تجاهه فهذا الطقس كان المكون الأول لشخصية الطريفي فكان هادئاً، خجولاً لا يتحدث كثيراً، رومانسياً خيالياً تجده دوماً يتأمل في السماء أو جالس على ضفاف الأزرق الفتان على تلك الرمال الناعمة التي يتوسدها النيل كأنما يغازله بتلك النظرات الحزينة وتارة يخيل اليك انه يعاتبه على شيء ما في لطف ..!! وعندما تطالع عينيه تلك الحزينة في كل الأحوال … تجد فيها غموضاً يثير اهتمامك تستهويك فكرة الحديث معه اول ما تراه ويدفعك الى ذلك شيء خفي ربما هو
جزئية الغموض التي تسكن ملامحه أو ربما صمته الخرافي …

يا له من شخص رهيف حد الرهافة .. اضافة لشخصيته بكل ما تقدم من سمات فهو عاشق لكل جميل وبالأخص الجميلات من النساء وله فلسفة تخصه في هذا الاتجاه .. واكثر ما يثيره في النساء الخجل والعيون البنية والمشي بتيه كما قدل الحمائم .. والنهود المتشامخة كما جبال مكرام في الامسيات
وعادة عندما يرى إمراة تحمل من هذه الصفات كثيراً ما يحاول منع خيوط بصره من الرؤيا ولكن ورغم تمرد عينيه بالبحث في اتجاهات أخرى يحالف الفشل كل محاولاته ..

 

في مساء ما كان جالساً على كرسي امام منزلهم وكعادته ممسكاً بخرطوش الماء يرش الشارع وشجر الحناء الذي يغلف جدار دارهم .. كان في ذروة تجليه وحالة من الإندماج والتأمل في خيال تلك الفتاة التي رسمها في خياله وظل يحسب لها سنينه ولسان حاله يقول متي ستأتي "البت الحديقة"؟
وفي هذه الاثناء كانت اللحظة قد اعلنت بمجي احدي جاراتهم في الحي تدعي رشيدة ..
فرشيدة تلك انثى خلاسية، رقيقة في حديثها وثوبها ومشيتها، حالمة وجذابة تمشي بتأني وثقة لها عينان تزرعان في القلب خلاصة السحر .. لها قوام مفجع كل من رآه ارتدي ثوب الغباء وانشده فيه
كانت في طريقها من المدرسة الى البيت وفي اثناء تجلياته واندماجه في عالمه الخرافي ذاك سمع صوت ينساب هامساً بنداوة "السلام عليكم" ولم تزدها ..! التفت نحو مصدر الصوت فتسمر في مكانه كجذع شجرة شامخة .. ازدرد لعابه وراح يغالب نفسه ليتمالكها ويخفي اضطرابه ومن ثم يتمكن من رد التحية
ابراهييم تلش
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : جامــــــــع الفــــــــراشـــــــــات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



لا نبحث في السطح. بل نحاول اقتحام الباطن. لا نكتفي بالمعطيات والنتائج، إنما نغزو الموقع الذي منه تتشكل العلاقات والحالات. فالذي يرصد الظواهر يتعين عليه أن يتقن الإمساك بالعناصر و الأبعاد، مسلحا - لا بالحدقة وحدها ولكن - بالغريزة والحدس والرؤيا وبعض مهارات الحاوي أو الساحر. أي أن يكون مزيجا من
: الشاعر والروائي والفيلسوف والكيميائي و الساحر، عندئذ

التفاحة تصير منجما، والخوذات للزينة