نساء رؤيا رؤوف:الإيمان بالخلاص رغم الخوف
كتبهاabdalla makki ، في 10 أغسطس 2007 الساعة: 01:33 ص
نساء رؤيا رؤوف:الإيمان بالخلاص رغم الخوف
![]()
![]()
![]()

( أربعة لوحات تحت المجهر )
منير العبيدي
مشكلة الوجود و كينونة المرأة عموما و في المجتمع الشرقي على وجه الخصوص من وجهة نظر المرأة نفسها ، و التي تحاول رؤيا رؤوف في أعمالها الأخيرة ان تطرحها برؤية جديدة ، هي مبدئيا ذات مستويين من التعقيد . هذان المستويان يلزمان الباحث الغوص فيما هو غير معلن ، و يمليان عليه تأويل وكشف المُرمَز ، المموه ، المخفي و المسكوت عنه ، مما يكرهه على أن يقرأ ما بين السطور ويرى ما لم تشأ الفنانة أن تشير إليه صراحة أو أن ينظر الى ما تسلل الى المنتج الإبداعي خلل العفوية و التلقائية الإبداعية . و اذا ما كانت المرأة هي المرأة في الكثير من جوانب حياتها و مشاعرها و درجة اغترابها بغض النظر عن الزمان و المكان و الذي لا يلعب سوى دور جزئي في تحديد الموقف الجمعي منها ، فإن المرأة الشرقية على وجه التحديد و بسبب المعاناة الطويلة و بسبب قائمة الممنوعات و طول المكوث في الظرف السالب للحرية قد لمحت دائما الى مشكلتها الوجودية طارحة إشارات و ترميزات " مضافة " ، هذا عدا الترميز " الطبيعي" الذي يمليه التعبير الإبداعي نفسه على اعتباره لا يقبل التقريرية و السردية و المباشرة . هذا الأمر ، أي تعدد مستويات التعبير و تشابكها و اغتراب وسائلها التعبيرية عن الواقع بشكل متزايد ، لم يكن مقتصرا على الفن التشكيلي بل شمل كل الأشكال الإبداعية ( النسوية ) بالضرورة و ضمن ذلك إبداعات المرأة في المجالات الأخرى كـ : النثر ، الرواية ، القصة و الشعر ..الخ . بل ان القضية الوجودية للمرأة لدى المرأة المبدعة ، حين تكون هي نفسها المبدع و هي نفسها موضوع الإبداع ، قد جعل العمل الإبداعي النثري أو التشكيلي يتمظهر بثلاث مزايا :
1 ـ اقترابه من المنولوج . فحين تكون المرأة هي المبدع وهي ، في الوقت نفسه ، بطلة الموضوع فإن العمل يعبر عن شكل من أشكال المنولوج ( الحوار مع الذات ) ، على أن الحوار هذا لا يمثل دائرة مغلقة و إنما هو يطرح كحوار مفتوح على المشاهد كطرف آخر و فاعل فيه .
2 ـ الإغراق في الترميز و التلميح حد الوصول الى درجة لا يستهان بها من صعوبة الاختراق .
3 ـ إلغاء الزمان و المكان حيث به يكون النتاج الإبداعي ( اللوحة ، النص ..الخ ) صالحا لأن يكون زمانيا : الآن ، أمس أو في الغد . مكانيا : هنا او هناك .
الميزتان الأولى والثالثة هو ما يمكن لمسه بوضوح في أعمال رؤيا رؤوف الفنانة التشكيلية العراقية المقيمة حاليا في القاهرة ، فهي نفسها المرأة المبدعة وهي التي تعكس شيئا من معاناة المرأة و حساسياتها في لوحاتها هذه المعاناة و الحساسية التي هي بقدر أو بآخر معاناتها الشخصية و طريقة لإدراك ذاتها و بنات جنسها. تعكس رؤيا رؤوف اهتمامها بالمرأة ليس تشكيليا فحسب بل و نثريا أيضا إذ تقول عنها : " هي المعلم الأول لأنها أكثر حسا بالمخفي والماورائي و هي أكثر تدينا وأيمانا و هي الأكثر شفافية روحيه ، فالرجل يتعامل مع ظواهر المادة بينما تتجه المرأة الى تحسس العوالم الروحانيه وتلمس القوى الباطنية فهي الكاهنة الأولى و العرافة الأولى وناطقة الوحي الأولى " .
و اذا ما كنا لا نشترك مع الفنانة في كامل رؤيتها لطبيعة الرجل و خصوصا تعامله مع ظواهر المادة ، كما ترى ، و اذا ما كنا لا نذهب الى المدى الذي تذهب إليه في الموقف من المرأة ، فان علينا أن لا ننظر إلى الأمر من منطلق دقة البحث العلمي السوسيولوجي بل علينا أن نتفهم الدور الذي يلعبه شحذ المشاعر وتوتيرها و إضفاء المزيد من الدراما عليها كشرط ممهد للإبداع لا يخضع للتقييس العلمي و المنطقي .
عليه فإن هذا الموضوع المطروح بين يدي القارئ معنيٌ ، كما هو أسلوبي في الكتابة عن الفن التشكيلي ، بالعمل الإبداعي نفسه ، مبنيٌ على محاولة لتحليل عمل إبداعي واحد أو مجموعة من الأعمال أرى إنها تقول الكثير في التعبير عن موقف الفنان أو الفنانة من القضية التي يتناولها و الأساس الفكري و الفلسفي و حزمة المشاعر التي تحكمت في نهجه الفني و أسلوبه ، و ستكون مجموعة التقنيات و الأساليب ، كما هي العادة في الفن التشكيلي كما في الأشكال الإبداعية الأخرى بدرجة اقل ، ذات دور حاسم في تحديد طرق و وسائل وضع مجموعة الأفكار هذه و صبها في شكل ملموس هو اللوحة و تحديد درجة قدرة المبدع على الخروج برؤية جديدة و أصيلة .
لوحة رقم واحد

أضفت الفنانة التشكيلية العراقية رؤيا رؤوف على نسائها ألوانا أكثر بهجة وفرحا مما تفعل في العادة ( فقد أقامت قبل ما يقارب العقد معرضا في بغداد أسمته الرؤيا كانت جميع لوحاته مرسومة بالأبيض و الأسود فقط
إنهن حزينات حتى لو رقصن ، حتى لو توشحن بلون الحلم ، باللازورد . الرقصة لديهن مصحوبة بنظرة ساهمة الى نقطة وهمية معلقة في فضاء الفراغ المغلق و الموحش ، و بها بدا كما لو إن إحداهن قد سُيرت عن بعد بواسطة منوم مغناطيسي يتحكم بآلية حركتها . بتوجس و ريبة تقوم أمامنا بخطواتها الآلية المحسوبة ساعية لهدف حدده لها احدهم مطيعة مذعنة : واحد ، اثنان ، ثلاثة … و … ؟ انه هنا أو هناك في مكان ما غير مرئي لكن ثقله في اللوحة لا يمكن نكرانه و لا يمكن إغفاله . لا شك إن بطلة لوحتها هذه مسلوبة الإرادة تماما لا تمارس الرقص كواحد من أجمل وسائل التعبير التي اكتشفها البشر منذ الخليقة ، إذ رقصتها استلبت و غربت و كرست لغير أهدافها و هي لا شك مكرهة عليه كما مكرهة على غيره .
) فيما لم تستطع أو لم تشأ ، رغم ازدهار اللون ، أن تخرجهن من حزنهن الصموت فبقين صامتات حزينات و بقين ، في الغالب ، وحيدات .
لوحة رقم 2

بطلتها ، هذه المرة ، إذ تستريح و تغفو بعد أن أكملت، كما يبدو ، طقوس الإذعان الى ما يريده المتحكم ، فإنها بنومها حزينة غريبة مختطفة ربما منذ زمن أبكر كثيرا من زمن اللوحة ، تستعيد طفولتها و حريتها و لكن في الحلم فقط ذلك الحلم الذي لم يعد سوى شظايا مستعادة من تهويمات في الذاكرة التي تتعرض بمنهجية الى إعادة تنظيم و برمجة قسرية . لون اللازورد ، و كتعبير عن الحلم الذي يراودها ملحاحا ، ينساب من ردائها مغطيا أرضية اللوحة فيما يبدو إنه انعكاس لشيء ، و لو طفيف جدا ، لجرأة الحلم الذي به تجاوزت القسر جاعلة منه ، رغم الاستلاب ، شيئا تجاوز حدود وجودها الفيزياوي . ثم ، و في الحلم أيضا ، تتجرأ فتخمش من رداء الحلم ما تطرز به ما فوق الرأس لتخلق به و منه سماء بطيات أو شيئا يذكرها بما كان يسمى سماء لكي يعوضها عن سمائها المفقودة. وفيما يجرى ذلك في أمانيها و أحلامها يبدو الأفق فيما وراء طيات اللازورد معتما مجهولا عصيا على الاجتياز يقود نحو المجهول كما لو انه يقول : " لا مفر ! " .
في نومها الحالم المستفز المشوب بالأسى و الشجن ، ربما تتجرأ بأحلامها لتجعلها تفارق الجسد و تفارق وجودها الفيزياوي الى ما هو أبعد من ذلك الى عالم غادرته . الطرق في كل الاتجاهات مجهولة و مسكونة بالتوجس و الخوف و هي مقيدة حتى في المنام إلى كرسي من الشوك الواخز : يداها مكبلتان و فمها مكمم .
لوحة رقم 3
ربما هي في كوكب آخر ، ربما كوكب من صفيح لامع و بادر يضيئه كوكب قصي . ردائها يتماهى مع صفيح الكوكب الباردة و تفقد ملامحها حرارتها و تتطلع فيه الى عالم قصي بارد . هنا الوحدة الساكنة بديل هروبي عن القسر و الاستلاب بهذه اللوحة نحس أن كل شيء بارد حتى جسد المرأة ، لقد نفذ الحب و اخلى مكانه للرغبة في الهروب نحو المجهول . ينسحب الازرق قليلا من لون الرداء و عموم اللوحة فاسحا مجالا اكبر للأخضر أو الأصفر شيء ما أكثر حياة و لكنه اقل حلما و رومانسية إقتراب بدرجة من صبيرها الاثير الذي سنشاهده في لوحات اخرى واخزا يخفي خلف قشرته ما لا نعلم .
لوحة رقم 4

و حين ، هنا ، تعيد للأزرق اعتباره و لكنها تضفي عليه هنا و هناك الأحمر من اجل لون البنفسج تقطع الطريق علينا ما أن نرغب بالتفاؤل لتؤشر أزلية الإشكالية ، إشكالية الوجود الأنثوية ، فبطلتها هنا خلف القضبان تبحث عن منفذ ، إنها قضبان سالبة للحرية حتى و إن كانت من خيوط الحرير . لغة الجسد محملة بلوعة البحث عن مهرب ، البحث عن الحرية . هل انتهت وصلة الرقص التي أدتها و عليها أن تعود الى قفصها كعودة الحيوان المروض بعد عروض السيرك ؟ هل يقلل الحرير و الملمس الناعم من قسوة القضبان طالما أدت هذه القضبان وظيفتها في سلب الحرية و تكريس القهر ؟ لوعة حركة الجسد و معاناة البحث عن منفذ و مخرج جسدتها حركة الجسد بمهارة . مع كل ذلك أجدني أرى أن لا بطلة رؤيا رؤوف القابعة خلف القضبان و لا رؤيا نفسها قد تخلت عن الأيمان بالأمل عن الإيمان بقرب حلول الحرية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فن تشكيلى | السمات:فن تشكيلى
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























