القصة التي راجت عندما كان _أكثر الوزراء سفرا_د. مصطفى عثمان وزيراً للخارجية ، وكانت تقول
(وصل الى مطار الخرطوم في زيارة قصيرة وزير الخارجية السوداني د. مصطفى عثمان اسماعيل ): لم تعد تضحك احداً، بعد ان اضحى من الممكن انسحابها على غالبية كبار المسؤولين وزراء حكومة الوحدة الوطنية المجمدين منهم والعاملين، ممن يزورون بلادهم بين الحين والآخر ليقضوا بها يوما او اثنين على مضض. قبل ان يشدوا الرحال مجددا بثياب مبللة خارجة لتوها من مغسلة حديثة في دولة ما.
وفي الحوار الصحفي الذي اجرته «الرأي العام» مع الوزير أحمد هارون بعد صدور بطاقة اوكامبو الحمراء ، قال في معرض اجابته على احد الاسئلة الماكرة حول ما اذا كان يستشعر تفخيخ في الدعوات الموجهة لزياراته الخارجية بهدف الاستدراج ، قال ان سفر الدستوريين غير مطلق وله ترتيبات وضوابط معينة من تقييم الجدوى ووجود عائد للبلد من السفر.
وان بدا حديث هارون سليماً من الناحية الظاهرية على الاقل إلاّ ان الناظر الى واقع حركة سفر المسؤولين الدؤبة هذه الايام لا يكاد يرى هذه الضوابط بالعين المجردة او بالاحرى لا يراها بنفس القدر الذي يرى به فوائده السبع على المسؤولين.
وتحفل مجالس المدينة وجلساتها الخاصة بالعديد من القصص والروايات عن سفر المسؤولين بالدولة يرفدها المسؤولون بغير قليل مما يؤكد ما يذهبون اليه من أقاويل ومظان واتهامات، وما رشح في الايام القليلة الماضية وحدها كاف لتبرير كل ذلك حيث سافر الوزير المشهور ووزيرى الدولة الى خارج البلاد تاركين امور وزاراتهم للسير كيفما اتفق، وما اعقب ذلك من سفر مسؤول من الوزن الثقيل لحضور مؤتمر بائس خارج البلاد لم يشأ إلاَّ ان يشعر معه بالخجل رغم حبه غير المنكور للسفر.
ولم يعد سرا وجود شركات تسويقية متخصصة تعمل على ارسال الدعوات الخاصة لبعض المسؤولين بالتواطؤ مع الجهات ذات الصلة في البلد المراد السفر اليه مقابل نصيب معلوم من المردود المادي المحتمل لزيارة المسؤول الذي يبدأ بدوره رحلة البحث عن مسوغ معقول للزيارة.
واذا قرأنا هذا مع ما ذهب اليه في وقت سابق وكيل وزارة النقل السابق د. عثمان البدري ومدير القرارات بمجلس الوزراء صلاح حسن عندما تحدثت اليهما في موضوع ذى صلة بالسفر عن ان بعض المسؤولين يصنعون السفر ويخلقون احيانا سفريات لا ضرورة لها ، فان ثمة ما يدفع للتساؤل وبالحاح عن ماهية هذه الضوابط التي تحكم سفر المسؤولين بالدولة.
والاجابة التي كانت جاهزة عند الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل عندما طرحت عليه ذات السؤال في وقت سابق مصحوبا بملاحظة عن سفرياته الكثيرة، كان مفادها ان كثرة السفر آرتبط بامساكه لملف العلاقات الخارجية، ومضى الى ان سفره يعد أمراً طبيعياً بل من غير الطبيعي ان لا يسافر في ظل ارتباط عمله كوزير للخارجية وقتها بالخارج لشرح مواقف السودان في المحافل الدولية. وما ذهب اليه مصطفى من تبرير يكاد يطابق ما ذهب اليه وزير الخارجية وقتها منصور خالد عندما انتقده الرئيس نميرى بسبب سفرياته الكثيرة..
واتفق وزير الخارجية السابق ،مع مدير مراسمها الحالي السفير علي يوسف في ان غياب بعض الوزراء والمسؤولين عن بعض المؤتمرات والفعاليات الخارجية يكون له آثار سالبة على البلاد . واكدا ان اي وزير وحتى اصغر موظف في الحكومة لا يمكن ان يسافر دون موافقة مجلس الوزراء والجهات ذات الصلة التي تحدد أهمية الموضوع.
وباستثناء سفر الرئيس ونائبيه الذي تتم كافة الاجراءات المتصلة به في القصر، فاننا نجد ان الاجراءات الاخرى تبدأ من وصول الدعوة لجهة ما سواء أكانت وزارة او غيرها، تقوم هذه الجهة بمخاطبة وزارة الخارجية واخطارها بالدعوة ، لتقوم الخارجية بدورها بتقييم جدوى المشاركة في المناسبة الخارجية ، الى جانب النظر فيما اذا كان بامكان سفارتنا في الخارج التمثيل انابة عمن يرغبون في الزيارة.
لكن الخارجية ليست سوى حلقة ضمن سلسلة من الحلقات الاخرى ، حيث تخاطب بدورها وزارة المالية وتخاطب الاخيرة مجلس الوزراء الذي لابد من موافقته النهائية التي يتوقف عليها منح التاشيرات.
ورغم ما للخارجية وغيرها من حلقات سفر المسؤولين من حق منع السفر بسبب ملاحظاتها على شكل او مضمون الزيارة ،الا ان الواقع يشير الى انه في اغلب الاحيان تحصل موافقة للسفر للمشاركة في فعاليات خارجية هزيلة ،ومع هزالها لا يفتح الله على مسؤولينا المشاركين احيانا ان يتفوهوا بكلمة واحدة، ولم يقتصر الامر على هذا فحسب بل ان بعضاً من اولئك المسؤولين لا يقدمون تقريرا لمرؤسيهم عند عودتهم من رحلتهم الخارجية التي تفضي الى لا شئ ، وهو ربما دفع مجلس الوزراء مؤخرا لمنع بعض الجهات من السفر لعدم التزامها بتقديم التقارير.
ويصاحب سفر الوزراء وكبار المسؤولين في الدول الاخرى ضوابط مشددة ، تتمثل في التحضير الجيد للمشاركة من قبل المختصين والمهتمين وتقديم تقرير دقيق ومفصل عما تخمضت عنه المشاركة ، وقبل ذلك لابد من وجود سبب قوي للزيارة التي لن تكون بحال اذا رأت سفارتهم ان بامكانها التمثيل والمشاركة من غير الحاجة لحضور الوزير او المسؤول.
ذلك في الغرب ، اما في السودان فان سفراءنا في الغالب لا يجرؤون على التوجيه بأن يبقى الوفد الوزاري مكانه ليشاركوا انابة عنه مهما كان ضعف المناسبة حسبما أكد ذلك لـ(الرأي العام) سفير السودان السابق في الصين،وحكى لى انه اوصى ذات مرة عندما تم الاتصال به مستفسرين عن مشاركة وفد وزاري في مؤتمر «هايف» في بكين ، بأن لا ضرورة لزيارة الوفد . فدفع ثمن تلك التوصية غاليا بعد أن عوقب بعدم الاستجابة للكثير من الضروريات المتعلقة بعمله التي تمر بالضرورة عبر ذلك المسؤول الغاضب بسبب منعه من السفر، وزاد بان اي شئ طلبه بعد ذلك لم يصدق به.
وفي صراحة نادرة ، قال مدير المراسم بوزارة الخارجية السفير علي يوسف ان هناك انتشاراً لثقافة السفر وسط المسؤولين ،واصبح قضية اساسية جدا للعاملين في كل قطاعات الدولة ، واردف من واقع قربه من هذا الملف ان سفر المسؤولين في اغلب الاحيان يكون من اجل السفر فقط، مشيرا الى ان كل الدعوات الخارجية للمسؤولين تتم الاستجابة لها ولا ترفض الا نادرا كأن تكون هناك مشاركة لاسرائيل مثلا .
وأشار كذلك الى أنه وفى أحايين كثيرة تلتقى الوفود الحكومية المشاركة فى فعالية واحدة ، تلتقى فى الطائرة مما ينعكس سلبا على التحضير والمشاركة والمردود وهو لن يكون أى المردود سوى ماديا فقط للمشاركين - حسب رأى يوسف الذى قال إن (90%) من السفر يتم بالمجاملات .
ومن الاشكاليات الكبيرة المتصلة بسفر كبار المسئولين وجود لقاءات ومؤتمرات مهمة تناقش قضايا متصلة وبالغة الاهمية مما يستدعى مشاركة شخصية او اشخاص بعينهم لمقارعة تطورات الملف المطروح وتعقيداته، لكن هذا غير ممكن في ظل الطريقة السودانوية المعمول بها في سفر المسئولين حيث تتاح الفرصة في كل مرة لمسئول غير سابقه بغض النظر عن مدى المامه بالقضايا المطروحة في الخارج وهي ما يبرز وبجلاء ان الاهتمام بخدمة الاشخاص اكبر من الاهتمام بخدمة المواضيع.
ومهما يكن من أمر ، فمن غير المنطقى أن يتم وضع كافة الوزراء والمسؤولين تحت سقف هذا النوع من السفر ، وربما قدم بعضهم المثال للسفر الإيجابي والانموذج ، ولكن فى المقابل فإن ثمة ما يدفع الى تفعيل الضوابط الموجودة ذات الصلة بالسفر والإعلاء من درجة الإلتزام بها حتى لا تكون زيارات البعض من أجل الإستمتاع اللحظي
المصدر سودانيز اون لاين.