محمد حلمي الريشة
فَاتحـَةٌ
في فَاتِحة الرِّيح ،
فَاتِحةٌ أخرى على رِيْح ؛
لَعلَّها نافذةٌ صَفراء ..
أو ثُمَالةٌ تَميلُ برأسِهَا الفَارهِ دُون أن تَبلُغَ ذُهولي ..
أو نَشوةٌ دُون أن تَدُبَّ في خُيوطهَا حَرارةُ الدَّمِ والنَّهار !.
في فَاتِحة الرِّيح ،
فَاتِحةٌ أخرى على رِيْح ؛
لَعلَّها وعَائيَ الباطنيِّ ؛
أسفرَ عن تسعةِ أسفارٍ وآخر ، قبلَ أن تَصلَ حُبيباتُ لُقاحِها إلى صَهوةِ مائدتي ، حيثُ صَحنُ القَلبِ يُمارسُ جِهَارَ انتظَارهِ ، بِسِريَّةِ العَادةِ الجَديدَة !.
في فَاتِحة الرِّيح ،
فَاتِحةٌ أخرى على رِيْح ؛
لَعلَّها أسطورةُ كتابةِ الموتِ الصِّدق ..
أو .. مَوتِ الكتابةِ الكَذِب ،
فلا تَخَفْ منِّي عَليَّ ، أيُّها المُسَافرُ في شَقوةِ الورقِ والنَّاي :
لَم يَستطعْ أحدٌ أن يُلقيني في غَيابةِ الجبِّ ، بل خرجتُ منه باستطاعَتي !
في فَاتِحة الرِّيح ،
فَاتِحةٌ أخرى على رِيْح ؛
لَعلَّها شُبهةُ الوصول ..
قد أبحثُ عن وصُولٍ ما ، كما تَبحثُ فَراشَةٌ عن ضَوءٍ يُسيلُ لُعابَها ، وفي حالَتينا ما سَيُحيِّرُ الموتَ : بِمَن سَأبدأ ؟
ولَسَوفَ يُقلِقهُ على ما سَتَقترِفُ يَداهُ من أفعَال ماضيَة !.
في فَاتِحة الرِّيح ،
فَاتِحةٌ أخرى على رِيْح ؛
لَم أتعلَّم من الثِّمارِ رَقصاتِهَا ، ولا أريدُ ، بل تَعلَّمتُ من طائرِ النَّارِ كيفَ أنشِدُ على دَمي !.
في فَاتِحة الرِّيح ،
فَاتِحةٌ أخرى على رِيْح ؛
لَم أعِدْ أحداً بأنني سَأكونُ شَاعراً .. لقد وُلِدْتُ هكذا !.
في فَاتِحة الرِّيح ،
فَاتِحةٌ أخرى على رِيْح ؛
هي الآنَ هكذا ، تَماماً مثلَ تَوحُّدنا :
لا أنتِ فيَّ .. ولا أنا فيكَ .. وما بَينَنا : لا أحَد !.
شَمعُ فَرَاشَاتٍ .. في مَسَاءاتِهَا المُنمنَمَة
أكرَةُ صَدرِهِ المُغَلَّقِ
تَرتَجُّ مَروَحةً في آنِهِ الضَّاريِّ
كَمْ سَيَحتَمِلُ خُلَّبَ صَوتِهَا الفَرْوِيِّ
دُونَ دَغلِ شَفَتهِ
السُّفلَى
تَهزُّ شُرفَةَ زَهوِهَا بِبَوحِهِ المُقَطَّر .
عَنَاقِيدُهَا لَيسَتْ دَانِيَةً
كَخُلخَالِ
أغصَانٍ
مَرِحَة
وهوَ بَعِيدٌ - يُضِيءُ دُرَّاقَ لَثغَتهِ عَلَى وَمضِ رَنَّتِهَا
يَندَهُ النَّايَ مَفرُوداً كَسَهلٍ مِن
عَلٍ :
آنَ أنْ تُنْزِلَني عَن حِبَالِ صَوتِهَا بِبُلبُلَةٍ وَاحِدَة .
كأْسُ عُريِ الغِيَابِ الَّذي سَبَقهَا
صَبَّ إبرَتَهُ فَوقَ عَجينَةِ عُمرهِ البَاردَة
أينَ كَانَ كُلُّ عِنَبِ كَلامِهَا الأبيَض في اسوِدَادِ مَوَاسِمِه ؟
يَخفِضُ لَها جَنَاحَ أسرَارِهِ
كَنَحلٍ يُرَاقِصُ وَردَةً مَرشُوقَةً إلى فَمِه ،
يَتَورَّدُ مَاءُ لِسَانهِ بِسُكَّرٍ يَنبِضُ ولَوزٍ مُوسِيقيّ ..
هُدِّيهِ ، أيَّتها الفِتنَةُ ، مِن رَأسِهِ
إلى
أخْمَصَيهِ لِيَستَطيعَ بَهاءهَا ؛
بَهجَةً .. بَهجَة .
بِثَلاثَةِ عُيونٍ
يَنشُدُ سِحرَ رُخَامِهَا المَنحُوتِ بِمَاءِ القُرُنفُل ،
كَم أخفَى أغنِيَاتِهِ دَاخِلَ دَالِيَةِ حُزنِهَا اللَّيلَكيّ ..
وَحدَهُ ، الآنَ ، يَسكُبُ مَرمَرَ غَيمِهِ عَلَى
صَحراءِ الغِيَاب .
- هل تَأَخَّرَ كَثيراً ؟
سَتأخُذُهُ من كُوَّةِ رُوحِهِ لِتَغسِلَهُ من غِيَابِه ،
ثمَّ تَحلُمُ بِكَوكَبٍ يَتَراقَصُ نَشوةً عَلَى
سُرَّةِ نَومِهَا
بَعدَ صُعوبَتِه .
سَاعَةٌ تِلوَ سَاعَةٍ - وَلا يَستَطيعُ صَبراً -
وأخَرُ لِظِلِّهِ الخَفيفِ
عَلَيهَا
وَهوَ يُطَبِّعُ ثَغرَهَا بِاحتِلامِ شَفَتَيه .
كأنَّها زَيَّنَتْ كلَّ زُقَاقَاتِ جَسَدهِ
بِقَنَاديلَ لَهَا رَفيفُ ضَوء ،
وكأنَّها انفِلاتُ رُزمَةِ فَراشَاتٍ بَيضَاء
في مَسَاءاتِهَا المُنَمنَمَة .
سَيَكسِرُ مَاءهُ فَوقَ
نَقشِهَا
[ بِالأبيضِ والأسوَد ]
فَهوَ حَمَامُ العَاشقِ - يَسبَحُ في مُحيطِ عَينَيهَا بِأَمَانٍ مُؤقَّت.
يَا الَّتي كائنُ نُورٍ في خَواصِّهِ المُحَدَّبَة :
متَى تَنضُجُ بَقيَّةُ الألوانِ
في حَديقَةِ رُؤيَتهِ المُضمَرَة ؟
مُنذُ شُهورٍ وهوَ أسِيرُ أعمِدَةٍ من وَرَق ؛
لا الأرضُ تَصغرُ بَينَ يَدَيه ،
وَمِن خَلفِهِ قَوافلُ سَنواتٍ مُدبِرَةٍ إلى أفُولِهَا ..
يَقولُهَا :
عِبَارةً مُزدَوَجَة
مِرآةً لا يَرَى فيهَا سِواهَا
ولا يَسأَلُ :
كَم منَ الخُطُواتِ الطِّينيَّةِ سَتَشرَبُ قَدَماهُ
قَبلَ وُصُولِهَا وَوَصلِهَا ؟
من بَعيدٍ /
يَتلُو خَريفَهُ بِأَحَاسِيس صَفصَافَةٍ مُرهَقَة :
الحبُّ ؛
مَسَافَةٌ غَيرُ كَافِيَةٍ بينَ عَاشِقَينِ يَتلاصَقَانِ
حُلُمَاً ..
لَمحَاً ..
مِلْحَاً ..
لَحمَاً ..
يَ
نِ
زُّ
عَرَقَاً من كَثرَةِ حُدُوسِهِ العَارِيَة .
- "سَأَحشُوها نُسخَةً من ضُلُوعي .."
هكذا قَالَها في اللُّهاثِ المَريضِ ،
بَعدَ ارتِفَاعِ دَرَجَةِ حَرارَةِ وُعُولِ جَسَدِه .
مَا الَّذي يَراهُ لَدَيها ؟
مَا الَّذي لَيسَ لَهُ ؟
حَرِيرُ سُطُوعِهَا - هذا المسَاء ،
يُشهِبُ جَبينَهُ من
بُرجِ
عَذرائِهَا ،
وهوَ عَقرَبُ الأثيرِ يُدَفِّفُ رَنينَهُ بِوسَادَةِ المِلح ..
هل حَمَلُ الرَّعشَةِ مَا يَصطَفيهِ ، الآنَ ، يَا ثَعالِبَ انتِظَارِه ؟
رُبَّما ..
يَملأُ جِرَارَ أذنَيهِ بِآهٍ طَويلَة :
نَمْ قَليلاً
كَي يَترَاءى لَكَ ظِلِّي الرُّخَاميّ مُضطَجِعاً إلى جِوَارِك ؛
هذا .. بَياضُ يَقيني /
هذا .. سَوادُ عُيوني /
وهذا .. اللَّيلَكيُّ يَتأَبَّطُ ثِماري المُؤجَّلَة ..
فُضَّ أسرِي
- أيُّها الرَّجلُ الوَحلُ -
متَى تَعتَليني .. فَأَقطُفك ؟
هَدأةُ اللَّيلَةِ - مَناقيرٌ جَافَّةٌ :
هذهِ البُرودَةُ يَصطَليهَا ألَمَاً
يَتعرَّى من فُتونِه ،
القَهوةُ تَتلَعثمُ قَبلَ أن تَنتَهي
من طَوافِهَا في دَمِه ،
واندِلاعاتُ المَشَاعرِ -
تَصطَفُّ مِثلَ جَدَائل مُخضَّبةٍ
بِمَسافاتِهَا ..
أيُّهذا السُّكوتُ الضَّالعُ
- في حِينهِ -
إلى
لَيلَكٍ يَرتَديهَا :
مُتعَبٌ بِخَواطِرهِ كَطُقوسٍ تُنقِّرُ ذَاكِرَتهُ اللاهثَةَ
من قَبلُ ..
ومن بَعدُ .
كالَّذي يَرقُصُ فَوقَ
صَحوَةِ المَجمَرَة ..
هذهِ النَّدَّاهَةُ تُولِعُهُ
- في مَنفَاهُ -
تَترُكهُ يَتهَاوَى
إلى
حِضنِهَا
قـِ سـْ طَ اً
قـِ سـْ طَ اً
وَدُونَ مَائِدَة .
كأنَّ لِلكَلامِ بُكورَتُهُ المُضَاعَفَة ،
وكأنَّهُ يَقولُهُ لِلمَرأةِ - المرَّةِ الأُولَى
بِثقَةِ ظِلٍّ في دَوَرانِه .
يَحدُثُ أنْ :
لا شَيءَ سِوَى ظَمَأٍ إِلَيهَا
يَتجَرَّعُهُ عَن بُعد .
لا مَرئيٌّ /
أفقُهَا / الَّذي لَهُ مَقَابضُ من تردُّدٍ وغوَايَة ..
لِذَا ؛
يُسَامِرُ شَهَواتهِ بِمُخيَّلَةٍ نَهَريَّةٍ
تُبلِّلُ حَوافَّ انتِظَارهِ .
يُروِّضُ عُزلَتهُ كلَّ يَومٍ
كَأنَّها سَمكةٌ في إِناءٍ من زَمنٍ جَافّ ..
أستُريهِ بِمُكَوَّريكِ المُعلَّقَينِ بِسلسِلَةِ الرُّوحِ ،
أيَّتها الآنِيَّةُ - المُخَطَّأةُ بِصَوابِهَا
وبِئرِهِ النَّهِمَة .
أيقَظَتهُ - هذا الصَّباحَ ،
من سَريرهِ الضَّيِّقِ وحَوَاسِّهِ المَبتُورَة :
- عِمْ حُبَّاً
يَا مَريضي المُبهَمِ واللَّذيذِ في آن .
من دَاخِلِ أسوَارِها المُتَجمِّدَة
تَتَرصَّعُ نَدىً قِرمِزِيّا
عَلَى سَماءِ فِضَّتهَا الدَّائِمَة ..
كَمِ الألَمُ دُونَهُ -
وهوَ يَتسَلَّقُ طَاسَاتِهَا
جُرعَةً ..
جُرعَةً ..
ولا يَرتَوِي .
الأحَاديثُ لَيسَتْ عُصَارةَ القَلبِ - أيَّتها الرِّيَاحُ السَّاكِنَة
إنَّها نَفَسُ القَلبِ ونَفسُهُ
يَستَدعي كَمَائِنَها الضَّروريَّةَ
- كلَّ سَاعَةٍ -
لِيَسقُطَ فِيهَا
بِرَغبَتهِ المُرجَأَة .
مَهلاً ..
لِلبَنفسَجِ أنْ /
يَستَحوِذَ عَلَى أرِيْجهِ بَعدَ شَهَقاتِ لُغَتهِ المُستَنفَرَة ..
لِلأَردِيَةِ - عَلَيهَا - أنْ /
تَتَسَاقطَ في قَلَقِ خَريفِهِ المَطمُوث ..
لِفَمِهِ أنْ /
يَمتَصَّ يُوبيلَها الفِضِّيَّ بالأمسِ قَبلَ الغَد ..
وَلهُ أنْ /
يَجُوحَ فوقَ خَيالاتِهَا
كُلَّما أثْمَرتْ مُراوَدتُها كَائِنَاتٍ بَهيَّة .
تَتلَوَّى مِثلَ صَلصَالٍ سَاخنٍ
أمامَ سِعَةِ احتراقِهِ ،
يَكادُ حَليبُ لَونِهِ يَتخَثَّرُ من كَثرَةِ مَا انتَهى مِنهُ - إلَيه ..
حُطِّي ضِفَّتَيكِ ، كَجَناحَي غَيبةٍ آتيةٍ عَلَى
مِيَاهِ مَشَاعرهِ اللامِعَة
عَلَّهُ يَتَعَنقَدُ بينَ جُوعَاتِكِ - اللَّهفَة .
في دَواخِلهِ دَهَاليزُ سَلِسَةٍ - لا يَستَطيعُ اصطِيَادَها ،
وفي قَمصَانِ نَومِهَا لآلئُ حِكَايَاتٍ مُترَفَةٍ ..
فَيَا حِصَّتهُ في الرَّغائبِ المُشَجَّرةِ بِسِوَاه :
أينَ .. أنتِ ؟
كَجُزءٍ بهِ /
مُصَابٍ بِدَاءِ سَريرِهَا المُعلَّقِ على نَافذَةٍ مُتأَرجِحَة ،
وكَكُلٍّ بهِ /
يُظلِّلُهُ بِأُمنياتٍ مُلَوَّثةٍ بِجُثُوِّها قُربَهُ
- مثلَ هرَّةٍ مُطفأَة -
يَبقَى انتظَارُهُ حَمَّامَ إنَائهِ
إلى أنْ يَصرخَ :
وَجَدتُها .. وَجَدتُها .
من حَقِّهِما - يَوماً مَا
أنْ يُولَدَا ثَانيةً
في ثَانِيَة .
قَبْلي بِكَثير .. بَعدَهُ عَن بُعْد ؟
مَدرَجٌ مُفَاجِئ
قَبْلَ يَومِهِ
- هذا الَّذي يُعَمَّدُ في كُلِّي الآن -
اختَفَتْ أشجَارُ شُهُورٍ عَدِيدَةٍ
تَألَّقَ فيهَا اللِّسَانُ بِقُبَّرَةِ صَمِتهِ ،
لكنَّ صُورَةً رَطبةً
تَسَلَّقَتْ شَفَتَيهِ كَسُلَّمٍ
مُترَدِّدٍ
حَيثُ العَينَانِ كَإطَارَينِ لاحتِوائِهِا
وَماؤهُما
دَبَقُ النَّارِ المُكتَنَزَة !.
شُبهَةٌ مُستَديرَ
مُنذُ عَلامَةِ رَفرَفَةٍ صَافِنَةٍ
غَرَزَتْ نَجمَهَا في لَحْمِ شَهِيَّتي ،
كأنْ رَأيتُ حَوَافَّ شُبهَتي المُستَديرَة
تَتأَبَّطُ كتَابَ ثِمَارهِ الغَامِضَة ..
هذا اليُفَاجِئُني بِتَسَارُعِ يَنابِيعِهِ نَحوَ حَيِّزِ شُرُودي
يَطردُ فَرَاغاً مَلأتْهُ أورَاقي المُعشِبَة ..
كأنْ رَائِيةٌ أنا / لَهُ
يُشرِقُني بِلَذَّةِ لَسْعاتِهِ
عَن
… بُعد !.
رَحيقٌ مُؤخَّر
كأنَّهُ مُدرَجٌ
في عِظَةِ الرَّحيقِ المُؤخَّر ..
رَجلٌ ؛
يُطَاردُ سَهلِي بِخُفَّي عَينَيهِ الثَّقِيلَين ..
لا يُبقِي لِلخُضرَةِ : نَكهةَ "الكُلوروفيل"
طَعمَ حَرَارَةِ الشَّمس
قُطنَ المَاءِ قَبلَ نَفشِه !.
أعلَى وأقرَب
كأنَّهُ يَسحَبُ أنفَاسِي بِبِضعَةِ أصَابِع لِلحَواسّ ؛
أعلَى منَ القَدَمينِ
وأقرَبَ من فَمٍ يَتَّكئُ عَلَى صَلاتِه ..
كأنَّهُ مَغَارةُ الجُرحِ بلا جِدَارٍ في … نِهَايَتهِ ،
وَكأنَّهُ يَعني ابتدَائي بِفُضُول !.
رَشَاقةٌ مُحتَمَلة
لِمَ لا تَذهَبِينَ بي -
أيَّتها الأوتَارُ ال
المزيد