في غابة الرؤيا نرى عناصر تتخلق: مشمولة برعب الواقع، مجبولة بالرغبة و شهوة .الاقتحام. إنها تزدرد المرارات و تثق في يأس يثمر أملا

الأفق وحده الذي يغرينا ويغوينا

و يهدينا الحلم، نحن المخبولون بالكتابة، في غموض الملابسات اللانهائية التي تسمى الحياة. قادر أن يمنحنا لذة الاكتشاف و رجفة العناصر عند الاتصال. عوالم تنأى بعيدا عن القداسات والخرائب. تلك هي ابتكارات الحلم الذي به ننجو من التلوث والتفسخ

.ونشهق في بهاء الكون أن يكون

قاسم حداد


فــــــــــــــخ الثقافـــــــــــــوية

فبراير 19th, 2007 كتبها abdalla makki نشر في , كتـــــــــــــــب

فخ الثقافوية

(نقد كتاب رضا هلال المعنون "المسيح اليهودي ونهاية العالم")

 

د. سمير أمين

 

1- تتلخص أطروحة رضا هلال في كتابه المعنون بـ "المسيح اليهودي ونهاية العالم" في مقولة بسيطة مفادها انحياز الولايات المتحدة لدولة إسرائيل ومساندتها مساندة شاملة بلا قيد ولا شرط في مشروعها التوسعي الذي يسعى إلي تصفية الوجود العربي في فلسطين علي الأقل بل وفي المناطق المجاورة "من النيل إلي الفرات" إذا سمحت الظروف بذلك، ويرجع ذلك إلي أسباب ثقافية الطابع أكثر منها سياسية أي بتعبير آخر إن هذا الانحياز لاهوتى المصدر وليس انحيازا استراتيجيا ناتجا عن المشاركة في المصالح. بل يزعم رضا هلال أكثر من ذلك ويدعي أن هناك تناقضا بين الخيار المذكور ـ أي  مساندة إسرائيل ـ وبين مصالح الولايات المتحدة (دون تحديد مضمون ما يعنيه هو بالمصالح المعنية) ثم يستنتج رضا هلال  من اكتشافه  لهذا التناقض المزعوم (والذي سوف نرى أنه قائم علي تجاهل واقع المجتمع الأمريكي وممارسات طبقته الحاكمة)، إن الجمهور الأمريكي ـ أي الرأي العام ـ هو الذي يفرض علي مؤسسة الحكم هذا الخيار المنحاز للمشروع الصهيوني.

ثم تقوم الأطروحة علي فضح "يمين مسيحي" له نظرة دينية تدعو إلي مساندة الصهيونية حيث إن المسيحية طبقا لهذا الفهم قد أصبحت "يهو مسيحية"  أي  مسيحية "نصف يهودية"،  ويبحث المؤلف عن مصادر هذا الفهم للمسيحية فيجدهما في تاريخ الثورة البروتستانتية التي أعطت الأولوية لقراءه التوراة (العهد القديم) ولو علي حساب مقولات الإنجيل (العهد الجديد) كما أن رضا هلال قد اختار من بين مختلف مقولات الإنجيل التركيز علي ذلك الفصل المعنون بـ "الرؤيا"Apocalypse المنسوب إلي القديس يوحنا، وذكر  بهذه المناسبة أن القصة  المذكورة تقوم علي  تنبؤ بعودة اليهود إلي فلسطين وإحياء دولتهم اليهودية ثم عودة المسيح فاهتداء شعب إسرائيل للمسيحية ثم إنهاء العالم.

2 ـ ينطلق رضا هلال من وصف صحيح  ودقيق لظاهرة اليمين المسيحي الأمريكي المعاصر وممارساته وأساليب عمله وخطوات صعوده لدي الرأي  العام ومدى اكتسابه نفوذاً داخل المؤسسة الحاكمة وبالأخص في صفوف الحزب الجمهوري.

وبما أن هذه الظواهر ـ والتي أعتبر أنا وصفها في الكتاب المذكور صحيحا تماما ـ قد  ظلت مجهولة إلي حد كبير في المجتمع العربي والمصري فإن إفادة الكتاب بذكرها قد  أكسب المؤلف سمعة واسعة وقوة في إقناع القارئ بصحة وأهمية أطروحته.

ولنذكر هنا باختصار تلك المقولات الرئيسية التي يقدمها هذا التيار الديني المتطرف وممارساته وأساليب عمله ومدي مشاركته في المؤسسة الحاكمة.

ثمة فعلا "يمين مسيحي" بشكل عام  قد تجلي في صور  متتالية عبر التاريخ، فالديانات ـ شأن المسيحية في ذلك شأن جميع الديانات ـ ظواهر معقدة لها بالضرورة وجه اجتماعي. أقصد أن تعامل الديانة مع الواقع الاجتماعي وتباين المصالح الفاعلة في إطاره لابد أن يؤدي إلي تعدد "التفسيرات". فهناك دائما تفسير "محافظ" (يميني) يتمشى مع المصالح الحاكمة والمهيمنة كما أن هناك أيضا في بعض الظروف تتبلور تفسيرات أخري يطرحها المظلومون لدفع قضاياهم، وهي إذن تفسيرات تقدمية (يسارية) إلي حد ما علي الأقل.

هناك قاسم  مشترك للتفسيرات اليمنية لا يتغير  في جميع الظروف ألا وهو الدفاع عن "أخلاقية محافظة" تضفي أهمية حاسمة لإدانة "التغيير" الاجتماعي بشكل عام وما يرافقه بدوره من تحولات في مجالات الحياة الاجتماعية المختلفة وخاصة في مجال تنظيم العائلة. فالأخلاقية المحافظة تكره التغيير وتنظر له دائما على أنه مجرد "تسيب".

واليوم يركز اليمين المسيحي علي إدانة الإجهاض والتسامح بالنسبة للممارسات الجنسية المثلية. بل يلجأ في تعامله مع هذه الظواهر إلي استخدام وسائل العنف بما  فيها الهجوم البدنى علي الأطباء والممرضات في المستشفيات التي تمارس الإجهاض.

يضاف إلي ذلك أن اليمين المسيحي الأمريكي يدافع عن مفهوم للحرية يكاد ينحصر في حرية تحرك الفرد في إطار آليات وفعاليات السوق. أي بمعني آخر دفاع عن "حرية المنشأة" في إطار الرأسمالية free enterprise هكذا ليبدو أن اليمين المسيحي المذكور إنما هو يمين "حديث " بمعني أن مفاهيمه للحرية والعدالة ليست هي مفاهيم اليمين المسيحي للقرون الوسطي علي سبيل المثال، فهو إذن تفسير يتمشى تماما مع مقتضيات المعاصرة الرأسمالية، وهنا نرى أن اليمين المسيحي المذكور يقع في فخ الاستلاب السلعي الخاص بالنمط الرأسمالي. فهو يمين حقيقي إذ إنه يعادي تماما مبادئ الاشتراكية التي تقوم علي نقد هذا الاستلاب ـ من هنا كراهيته للشيوعية وبالتالي توظيفه من قبل المؤسسة الحاكمة. بيد أن رضا هلال يتجاهل تماما هذا الوجه من الإشكالية، وذلك لأنه يتجاهل تماما مفاهيم النقد الاشتراكي للرأسمالية ومنها نقد الاستلاب السلعي فلا يهتم رضا هلال بماهية الرأسمالية كما سنري فيما بعد.

ويفيد رضا هلال القارئ بمعلومات صحيحة وهامة حول مدي "تدين" المجتمع الأمريكي ـ بالمقارنة مع شعوب أوروبا ـ ومدي تغلغل فكر اليمين المسيحي في هذا الإطار. ويشير إلي ممارسات وأساليب عمل استراتيجية وتكتيكية استخدمتها بعض الكنائس البروتستانتية والنحل الحديثة النشأة قد أدت بالفعل إلي إكساب هذا التيار وزنا ثقيلا في "الرأي العام"، ومن هذه الأساليب التغلغل في مؤسسات التعليم والقضاء والإعلام، فالانتقال إلي المجال السياسي من خلال التركيز علي جمع الأصوات الانتخابية لصالح مؤسسة الحزب الجمهوري. فالحركة ـ كما يقول رضا هلال ـ التي كانت "ما قبل السياسة" بمعني أنها لم تسع إلي السلطة قد أصبحت الآن حركة سياسية تسعي إلي ممارسة السلطة.

كما أن رضا هلال قد ركز علي الأساليب الإعلامية التي يستخدمها اليمين المسيحي الأمريكي ومنها بالأخص إلقاء خطب متكررة ومتبسطة في الإذاعات وقنوات التلفزة (الوعظ التلفزي).

لا أختلف أنا مع رضا هلال في أقواله بهذا الصدد، بل أوافقه تماما في دقة وصحة وصفه للظاهرة.

علي أن رضا هلال قد  أضاف إلي مقولات اليمين المسيحي وممارسته الموصوفة أعلاه تركيزا خاصا علي "نظرة" هذا التيار الديني الرجعي إلي علاقته بالمشروع الصهيوني، له أهميته الخاصة، وسوف نرجع إلي هذا الجانب من الإشكالية فيما بعد.

3 ـ لن تفوت علي من قرأ وصف رضا هلال لأفكار وممارسات اليمين المسيحي، المشابهة التي تفرض نفسها بين تجليات هذا التيار الديني المتطرف وبين تجليات الإسلام السياسي.

فالتياران يشتركان في سذاجة النظرة إلي "المشكلة الأخلاقية والثقافية" ووضعها في مركز الاهتمام إن لم يكن من التحليل العلمي ـ الناقص تماما  في كلتا الحالتين. والتياران يشتركان في نفس النظرة المحافظة بل الرجعية وكراهيتهما للتغيير بشكل عام ولما قد يحدث من تطور في العلاقات العائلية بشكل  خاص. والتياران يركزان علي نفس  الظواهر ـ مثل الإجهاض وتحديد النسل …إلخ. وكلاهما يلجآن إلي وسائل العنف من أجل  "التخلص" مما يبدو لهما "تسيبا". والتياران يستخدمان نفس الأساليب للتغلغل في مؤسسات التعليم والقضاء بل يلجآن إلي نفس الأساليب في توظيف وسائل الإعلام وخاصة التلفزة. فمن سمع وعظا تلفزيا أمريكيا لا يفوت عليه التشابه الشامل بين أسلوبه وبين أسلوب الوعظ التلفري للإسلام السياسي.

وكذلك نجد تشابهاً واضحاً تمام الوضوح بين نجاح اليمين المسيحي الأمريكي في المشاركة فى الحكم وما يحدث في البلاد العربية. ففي كلتا الحالتين نواجه نفس ظواهر:  ردة الدولة واتخاذها مواقف انتهازية في مواجهتها للحركة المعنية وذلك سواء أكان ذلك بالنسبة إلي الدولة الأمريكية نصف العلمانية أم بالنسبة إلي الدول العربية غير العلمانية!

وكذلك فإن الحركتين تشتركان في امتناعهما عن نقد الرأسمالية، بل قبولهما مبادئ سيادة علاقات السوق كما هي بلا تحفظ. فالإسلام السياسي هو الآخر يتجاهل مبادئ نقد الاشتراكية للرأسمالية ويقبل سيادة فعاليات السوق دون تساؤل يذكر. والحركتان أصبحتا حركتين سياسيتين بنفس المعني أي حركتين تسعيان إلي السلطة في إطار الرأسمالية فهما جزء لا يتجزأ من اليمين بشكل عام.

فالسؤال الصحيح الذي يجب أن يطرح هنا  هو الآتي: ما هي المصالح الاجتماعية التي تخدمها هاتان الحركتان؟ ولماذا تلجأن إلي نفس الأسلوب  "الديني" شكليا والمتخلف في حقيقة الأمر؟

لم يطرح رضا هلال هذه الأسئلة بل لم يخطر بباله التشابه الذي رأيت من الضروري توجيه النظر إليه.

أما أنا فأنسب الأسلوب الرجعي الديني الشكل الذي يشترك فيه التياران من أجل التوصل إلي السلطة إلي ظاهرة مشتركة ألا وهي التخلف الثقافي والسياسي للمجتمعات المعنية. أقصد تخلف المجتمع الأمريكي ـ بالمقارنة مع المجتمعات الأوروبية التي تنتمي هي الأخرى إلي مراكز المنظومة العالمية ـ وكذلك تخلف المجتمعات العربية والإسلامية في المرحلة الراهنة بالمقارنة بما كان الأمر عليه في مراحل سابقة من التاريخ القديم والحديث

المزيد


مصرع ألماس

يناير 4th, 2007 كتبها abdalla makki نشر في , كتـــــــــــــــب

مصرع ألماس

 

كان ألماس بعبع الطفولة، وكنا نهدد به، نحن أطفال حي العقيبة بدمشق، على مدار سنوات طويلة من طفولتنا. وكان لفرط خوفنا منه يبدو لنا عملاقا يطال النجوم، ويأكل في الوجبة الواحدة جملا، وفي أبسط الأحوال خروفا محشيا. وكنا نتمنى أن نصبح مثله عندما نكبر، يخافنا الناس، ونضع في أوساطنا، مثله، خنجرا ومسدسا، ونعبر المقبرة في الليل من دون أن يصيبنا الهلع.

وكنت أنا بشكل خاص مولعا به، رغم خوفي الدائم منه، إذ كان بيتنا ملاصقا للمقبرة، ولغرفة نومنا نافذة تطل مباشرة على ساحتها. وما أن يحين الليل، حتى ترخي أمي ستائر النوافذ، وتمنعني من الاقتراب منها إو الإطلال عبرهأ، ذلك أن ألماس يذرع المقبرة في الليل جيئة وذهابا، أو يأكل ويشرب مع أرواح الموتى. وربما يجلس تحت جذع شجرة الجوز الضخمة ويتحاور مع الجان والعفاريت. وكثيرا ما روت أمي عنه أخبار نقلتها عن أبي، منها أن ألماس التقى ذات يوم بطفل صغير يبكي في المقبرة، فاقترب منه يسأله عن سبب بكائه، ثم عرف أنه ضائع عن أمه، وكان يود أن يذهب إلى المخفر، لولا أن الطفل صاح بألماس "أنا عفريت يا عمي، أنا عفريت." عندئذ نظر ألماس إلى قدمي الطفل، فلاحظ أنهما تشبهان قدمي غزال، فسأله عن أمه أين هي، وأين تركته. قال الطفل العفريت: "ما زالت هنا في المقبرة."

شرع ألماس ينادي على العفريتة أم العفريت كأن الأمر عادي جدا، إلى أن ظهرت بين القبور بوجهها المرعب، وعنقها المشرئب كعنق زرافة، فتقدمت من ألماس وأخذت طفلها من بين يديه دون أن تقول كلمة.

وتعقب أمي على القصة بقولها:

"ألماس رجل شجاع. حتى العفريتة لم تستطع أن تؤذيه لشدة تهيبها منه."

ومع الأيام نما ألماس في مخيلتنا، كما ينمو الشجر وسط الغابات. وكثيرا ما كان رفاقي يحدثونني عن قصصه التي سمعوها عنه من أمهاتهم.

قال لي أحدهم مرة: حدثني أبي قال: هاجمت حينا ذات ليلة دورية من رجال الأمن يرافقها ضابط فرنسي، بحثا عن ألماس المتهم بقضايا سلب وتهديد. وعندما بدأ الضابط التحقيق مع سكان الحي، تسرب أحدهم إلى المقبرة وأخبر ألماس، فسخر ألماس ضاحكا، وقال له: "إن كانوا يتجرأوا فليدخلوا المقبرة."

عرف الضابط الفرنسي أن ألماس موجود في المقبرة، فصمم على إلقاء القبض عليه، وطلب دعما من قوى الأمن، فحضر على الفور المزيد من أفرادها، وحوصرت المقبرة من معظم جهاتها إلا الجهة المفتوحة على البراري لصعوبة حصارها غي هذه الليل المدلهم.

وما أن شرع الجنود بقيادة الضابط الأشقر دخول المقبرة، حتى ارتدوا إلى الوراء خائفين. صاح بهم الضابط مؤنبا. لكن جنديا من القوة أشار بيده إلى أطراف المقبرة البعيدة، وما أن التفت الضابط حيث أشار الجندي، حتى رأى بأم

المزيد


باب الساحة

يناير 4th, 2007 كتبها abdalla makki نشر في , كتـــــــــــــــب

سحر خليفة 

 فلسطين

 

وبدأ يلاحقها كالمسعور. يذهب يوميا إلى المكتبة، يقرأ، يحلم، يصغ، وينام، ويقرأ ثانية ويفكر. وتمر الأيام ولا تحضر. ثم تحضر فجأة. بدون نظام. ومعظم المرات تجيء بعد انصراف المدارس عند الظهر. ويلمحها من وراء الزجاج تتقمز بالكعب العالي واللبس الأنيق. القوام الممشوق كالخيزران والتنانير الضيقة والواسعة، وسترات صيفية تعطيها مظهرها الرياضي الأنيق. تقف على "الكاونتر" لتعيد الكتب ثم تمشي وتطقطق فوق البلاط وتغيب طويلا بين الرفوف.

وبدأ يتجسس عليها. الاسم، التخصص، مكان الدراسة، اسم الوالد واسم العائلة. أبوها نجار "مستور،" أخوتها ما زالوا صغارا، فهي الكبرى، تدرس العلوم والأحياء، تخرجت من الجامعة الأميركية في بيروت بعد أن نالت منحة. كانت من العشرة الأوائل. فهي أذن ذات عقل وفهم. الجامعة الأميركية والأحياء؟ يا رب السماء! فليقرأ أذن كتب العالم.

وماذا تقرأ؟ أدب، فلسفة وسياسة، علوم تاريخ وسياسة، اقتصاد، شعر وسياسة، سياسة، سياسة. فليقرأ إذن كل هذا وذاك، وليسمع ويناقش ويتسيّس.

الآن وهو يذكر أصل السياسة في ماضيه البعيد، يقر بالاعتراف الخطير، فلولاها ما عرف السياسة بهذا العمق. لكان تذوقها ككل الناس: مجرد واقع، واحتلال وبؤس وثورة تجيء من الطرف الآخر عبر الأردن.

حين سمع صوتها أول مرة كان قد كبر كثيرا. مرت سنتان أو أكثر وهو يتابعها في الأحلام والكتب المستعارة والمكتبة. كان قد اجتاز التوجيهي وقدم أوراقه "للنجاح" (*). وحينذاك اعتقل صدفة. سجن إداري ككل الشباب، ومن بعدها انكسر الخوف. ما عاد يخاف من سلطة أبيه. ما عاد يقف بالصف على الدرج ويقول بذل حزين: "مسا الخير يابا." ما عاد يخجل من النظر مباشرة في عين البنات. ما عاد يشعر أن النظر خيانة. وأهم من هذا وذاك، ما عاد مقتنعا بهذا الحب، الحب من طرف واحد، حب الأحلام، حب يجيء من الصفحات والرغبة المكبوتة في الأعماق، والعقل الواعي صمام الأمان. بدأت قراءاته تجدي. الآن يفهم ما يقرأ، ويحلل ويعلل ويتأمل. وقل المكوث على السطح بين "الروبابيكيا" والأجراس. وكثرت زياراته لباب الساحة وخان التجار. وانتمى لأول تنظيم ثم اعتقل. ثلاثة أشهر ثم "النجاح." ثم التنظيم الثاني، ثم سنة وصف خرج بعدها وقد اشتد عودا، يفهم ويعرف ماذا يريد، ويريد أبدا أن يعرف.

ورآها في معرض للكتب. اللباس الأنيق نفسه والكعب العالي والقد الملفوف. ما زالت حلما، والقلب يخفق بهدوء مشوب. اقترب من الطاول


المزيد


ذاكرة الجسد

يناير 4th, 2007 كتبها abdalla makki نشر في , كتـــــــــــــــب

ذاكرة الجسد

أحلام مستغانمي - الجزائر

 

وبدأت أشعر بالندم. فأنا رغم كل شيء لا أريد أن أكره زياد اليوم. لا أستطيع ذلك. لقد منحه الموت حصانة ضد كراهيتي وغيرتي. وهأ أنا صغير أمامه وأمام موته. ها أنا لا أملك شيئا لادانته، سوى كلماته القابلة لأكثر من تأويل، فلماذا أصر على تأويلها الأسوأ؟

لماذ أطارده بكل هذه الشبهات، وأنا أدري أنه شاعر يحترف الاغتصاب اللغوي، نكاية في العالم الذي لم يخلق على قياسه، بل ربما خلق على حسابه؟ فهل أطلق النار عليه بتهمة الكلمات؟ لقد ولد هكذا واقفا. ولا قدر له سوى قدر الأشجار، فهل أحاسبه حتى على طريقة موته، وعلى طريقة حبه؟

وأذكر الآن أني عرفته واقفا. أذكر ذلك اليوم الذي زارني فيه في مكتبي لأول مرة، عندما أبديت له بعض ملاحظاتي عن ديوانه، وطلبت منه أن يحذف بعض القصائد. أذكر صمته، ثم نظرته التي توقفت بعض الشيء عند ذراعي المبتورة، قبل أن يقول تلك الجملة التي كانت بعد ذلك سببا في تغيير مجرى حياتي. قال لي: "لا تبتر قصائدي. سيدي، رد لي ديواني، سأطبعه في بيروت."

لماذا قبلت إهانته يومها دون رد؟ لماذا لم اصفعه بيدي الثانية غير المبتورة وأرمي له بمخطوطه؟ ألأني احترمت فيه شجاعة الأشجار ووحدتها، في زمن كانت فيه الأقلام سنابل تنحني أمام أول ريح؟ واقفا عرفت زياد، وواقفا غادرني. أمام مخطوط تركني كأول مرة. ولكن دون أي تعليق هذه المرة. لقد اصبح بيننا – منذ ذلك الحين – تواطؤ الغابات، واليوم صمتها.

فجأة استيقظت داخلي بقايا مهنة سابقة. ورحت أقلب الدفتر وأعد صفحاته وأتفحصها بعيني ناشر، وإذ بحماس مفاجئ يدب في قلبي ويغطي على بقية الأحاسيس، وقرار جنوني يسكنني. سأنشر هذه الكتابات في مجموعة شعرية قد أسميها "الأشجار" أو "مسودات رجل أحبك،" أو عنوانا آخر قد أعثر عليه أثناء العمل. المهم أن تصدر هذه الخواطر لزياد. أن أمنحه عمرا آخر لا صيف فيه، فهكذا ينتقم الشعراء دائما من القدر الذي يطاردهم كما يطارد الصيف الفراشات. إنهم يتحولون إلى دواوين شعر، فمن يقتل الكلمات؟

أنقذني دفتر زياد من اليأس دون أن أدري. منحني مشاريع لأيام كانت فارغة من أي مشروع، فقد حدث في تلك الأيام أن قضيت ساعات بأكملها وأنا أنسخ قصيدة، أو أبحث عن عنوان لأخرى، وأحاول ترتيب فوضى تلك الخواطر والمقاط

المزيد


البطل في الزنزانة_________ غسان كنفانى

نوفمبر 8th, 2006 كتبها abdalla makki نشر في , كتـــــــــــــــب

البطل في الزنزانة

قرلك لك اخيرا مجموعة لا بأس بها من الاقاصيص المنشورة هنا وهناك , وسرني بالفعل انك قد تخلصت الى حد بعيد نم ذلك الافتعال اللزج الذي يثقل طبيعة القصة , ويعرقل انسياب حوادثها . ان اصعب ما في كتابة القصة , هو التخلص من ذلك الافتعال , لكنني , واصدقك القول , لا افهم تماما ماهية هذا الذي يدعونه "افتعال" , فان كان يقصد منه ضعف الاسلوب وتقصيره عن اظهار الحادثة بشكلها الطبيعي , فانا موافق , اما اذا قصد منه ان الحادثة في القصة هي حادثة تعوزها الامكانية والعفوية , وانها حادثة بسيطة الى حد ليس فيه اية قيمة , فأنا لا اوافق , اذ انني اعرف قصة حدثت حقيقة مع احد من اصدقائي , وكلما فكرت ان اكتبها , لمحت فيها , مقدما , خطوطا ثخينة من هذا "الافتعال " تحدد بعض جوانب حوادثها … لماذا؟ انني في الحقيقة لا ادري , او , ولاعترف بذلك , ان حوادث القصة ذاتها ليس فيها اشياء كثيرة تحفظ عليها بنيانها القصصي . واخاف ان ازيد على احداثها كي اخلص نم الضعف والافتعال , فاقع في الكذب .
فانا , على هذا , احب ان اكتبها لك هي , احتراما للبطل وللحادثة , كما حدثت قبل عدة اشهر دون ان ازيد فيها او ان انقص .. وعليك انت ان تجرب فيها القواعد التي قلتها عن كتابة القصة , ولكي تكتب عن هذه الحادثة نفسها قصة ناجحة يقول عنها النقاد انها " مكتملة البناء الفني " , فكيف ستتصرف يا ترى ؟ وهل تجيز لنفسك ان تغير الحوادث التي وقعت , او تضيف علها حوادث جديدة كي تنسجم مع ما يسمونه "البناء الفني للقصة " ؟ واذا اجزت لنفسك ذلك , فهل تعتقد انك تكون في مستوى القضية التي تعذب البطل من اجلها ؟
***
ان صديقي – بطل القصة – ولنسمه رياضا , يعيش قضية تعكس نفسها على كافة جوانب حياته , انه يعيش قضية الامة العربية , ويبذل جهدا هائلا لكي يرتفع بنفسه الى المستوى الايجابي المنتج اهذه القضية .. ان رياض قد حاز اعجاب الجميع وتقديرهم , رغم ان قسما من هذا "الجميع " عندما تعرف الى رياض قال عنه انه انسان يحب التظاهر , وانه في باطنه يريد ان ينطلق الى اقرب ملهى .. كي يلعب مع العصافير – حسب تعبيرهم – ولكن رياضا ما لبث ان فرض نفسه يتشامخ ارتباطه مع القضية الكبيرة ..
لم يكن رياض –اذن – مزيفا بهذا الارتباط , ربما كان ارتباطه هذا اوضح ما في نفسه من اصالة .. كان يقف وقته كله على تغذية نفسه بفهم واسع , وانصع , لهذه القضية .. انني لا ابالغ , بل اعطيك انسانا اعرفه كما يعرف الانسان الصق الاشياء به ..
لقد سافر رياض الى الاردن , بعد انتكاسه نيسان الاخيرة , فان هنالك اشياء كثيرة يستطيع ان يؤديها باتقان , واستطاع ان يجد غرفة متواضعة منعزلة في دار تسكنها امرأة في حوالي الثلاثين من عمرها , مع زوجها .. هناك سكن رياض , كان يمضي اوقاتا طويلة في غرفته , يتم اعماله الخاصة , غير مهمل البتة القيام بالواجبات الصغيرة التي تحتمها المجلات مع اصحاب الدار .. لقد كان يستقبلها بغرفته , ويسهر معهما , حتى اذا ما قاما الى غرفتهما دأب هو على عمله حتى الصباح
..
وكان في عمله ذاك , اوضح مثال عن الانسان الذي يتغذى بالنضال الصامت . كان قاسيا على نفسه , غير متهاون ابدا في مطالبتها بالواجبات .. كان رفاقه يحترمونه , لقد كان قويا , وقد فرض هذا الشعور على جميع من تعاون معه , فرضه الى حد جعل بعضهم يتسائل , هل يمكن ان يكون لهذا الانسان - رياض- جوانب اخرى غير قوته , في ذاته ؟
واتى الجواب في لحظة عابرة .. راوه مرة يبكي , كان ذلك ليلة نزل فيها بسيارة هزيلة مع بعض اصحابه , حاملا رزما من المناشير , وفي الطريق , لاحظ السائق ان ثمة سيارة تتبعهم , فراوده خوف مشحون بالرغبة في التحدي , ولكنه اضطر الى ان يبدل اتجاه الطريق . . لم يلحظ هذه الحركة الا رياض . . بينما استمر واحد من زملائه يلقي شعرا , لشاعر من اقليم مصر بصوت خفيض مبحوح :
. .
لاجئة , تبكي ايام الحب . .
لما كانت يافا . . يافا .
واخيرا . . ما بعدك يا يافا ؟
كم سنة ونصير حكاية ؟
ويقول العلماء ..
العرب انقرضوا !
وفجأة نظر الجميع الى رياض , كانت اللحظة تحتويهم بعنف وتجهم , ان ثمة لحظات تعطي الانسان دفقات من المشاعر القاسية , البعيدة , العجيبة . . تلح على راسه الحاحا ممضا . . لقد كانت تلك اللحظة من هذا النوع , ان رياضا قد خضع حتما لتلك الدفقات العجيبة . . ان اشياء كثيرا , تلح عليه , لا شك , بحدة وصلابة . فبكى !
شيء مؤلم ان تجد انسانا قويا يبكي . . اليس كذلك ؟

***
قلنا ان رياضا عاش في الاردن منذ وصلها , وهو يعمل ليلا نهارا , لقد توطدت صداقته مع اصحاب الدار فصاروا يحبونه حبا جما , وليس هذا فحسب بل كانوا يقدمون له عشاءه في بعض الامسيات . .
لقد كانت (ام …) صاحبة الدار تاتي الى غرفته كل ليلة تقريبا مع زوجها , فتجلس على طرف السرير , وتتحدث عن الاخبار بينما كان رياض يجلس على كرسيه , خلف طاولة صغيرة .
وفي مرة , رفعت (ام…) جريدة موضوعة على السرير امام عينيها , ولاخظ رياض ان الجريدة مقلوبة , وقبل ان يتكلم , رمت (ام…) الجريدة جانبا وهي تقول :
-
الله يلعن ايام زمان . . على كل حال , انا تزوجت , وصار عندي اولاد . . ولم يبق من العمر قدر ما ما مضى . .
-
انك يا ( ام . . . ) من الناس الذين قيل عنهم انهم متعلمون رغم انهم لا يعرفون القراءة . .
وضحكت (ام . . . ) ونهضت وهي تتمنى له ليلة طيبة.

***
حتى اذا كان ذات مساء . . وقد عاد رياض الى داره مرهقا , استقبلته الشرطة على الباب , وشدوا الحديد على رسغيه وقادوه –دونما كلمة – الى المخفر . . وذهب رياض الى هناك هادئا , وهناك قالوا له انه يتامر على العرش , ولنه نفى ذلك بهدوء . . انه كان على يقين كبير ان احدا لن يجد ضده اثباتا واحدا . . لقد كان حريصا في اخفاء اوراقه , قديرا في التخلص منها في الوقت الملائم , ان الشتائم لم تجد , لا هي ولا السياط لقد بقي رياض سامدا في كل لحظة .
لكن الامور تجري بقسة اشد , لقد سجن رياض في زنزانة منفردة , وسلكوا في سحب اعترافاته طريقا وحشيا مريعا . . كان يعرض لتيار كهربائي في كل يوم. . كان يجلد , ويعذب , ويرمى في زنزانته وحيدا مع جراحه ولكنه صمد ببطولة صامتة , فلقد ذوت ابتسامته تحت صفع السياط وصفع الشتائم , وبات لا يحس الا التمزق .
ثم حمل الى غرفة الضابط المسؤول واعيدت عليه مجموعة الاسئلة التقليدية , وانكر رياض كما اعتاد ان يفعل , قدم له الضابط – دون ان يغير تعابير وجهه المبتسم بجذل وحبور – مصنفا صغيرا وطلب منه ان يفتحه .
لقد راى رياض في المنصنف مجموعة من الاوراق , ما لبث ان عرف فيها اوراقا كان قد كتبها في غرفته تلك , منشورات , وبعضها الاخر رسائل الى هاربين , واوراق اخرى , لقد احس رياض لا شك , قسوة المفاجأةوعليك انت ان تبرز هذه المفاجأة عندما تكتب القصة – ولكنه تشبث بالنقطة الاخيرة التي بقيت لصموده , لقد قال ان هذا الخط ليس خطه وانه , على هذا , لا يتعرف على الاوراق . .
نعم يا رياض , انه ليس خطك ولكن ايعدم الخائن وسيلة ليلوث نفسه اكثر بالوحل والحماء ؟ ان عندهم مجموعة من الاثباتات الصغيرة لابد وانهم سيبرزونها في الوقت الملائم ..
وبدأت الخطوط تنجلي شيئا فشيئا , ان صاحبة الدار هي صاحبة الوشاية , وهي التي كانت تنسخ اوراقه اثناء خروجه في الصباح , وهي التي قدمت تقريرا عنه , ان المرأة الشريرة اذن تعرف القراءة و الكتابة لقد حطمت المفاجأة كل قلعة للامل في صدر رياض , ولكنه احتفظ لنفسه بمواساة اخيرة . ان المرأة الكاذبة لم تبدأعملها منذ زمن بعيد وانها نسخت جهود ايام قليلة فقط .
ويتذكر رياض المرأة ويشعر بالمرارة , لقد خدعته ولكن ما مصلحتها من هذا كله ؟ - وياتي الجواب من زميل في السجن , انها زوجة منتسب لحزب معين – ساوافيك باسمه ان قررت ان تكتب القصة فعلاوهو حزب معروف بتعاونه مع الفئة الحاكمة هناك , وهي- اي المرأة - ام لابن يعمل فيه .
ويقول له الضابط – ما ايك ؟
ويقول رياض – انكم اذناب صغيرة في بالوعة القاذورات المنتنة , فليسقط العرش , ولتسقط الوزارة , ولتسقط انت .
ويصفع بالصوت . . ويلقى في السجن .
هذه هي القصة وهي بسيطة في حوادثها , عادية الى حد بعيد , انني لا اريد ان اكتبها كقصة خوف ان الجأ الى الحواشي , فاقع في الكذب , او في شيء لا اعرفه , ولا احبه , و الحادثة كما كتبتها , هي الحادثة التي وقعت فعلا , وقد تبدوا في بعض احداثها غريبة او مدسوسة وهذا سيزعج بعضهم , او انما ستبدوا عادية جدا , وهذا سيزعجهم اكثر .
خذ مثلا عندما يكتشف ان صاحبة الدار هي امرأة تعمل لحساب الفئة الحاكمة , وانها منتسبة الى ذلك الحزب , سيقول بعضهم ( انك دسست هذا المقطع لغاية في نفسك ) ولكن الحقيقة التي وقعت ترفض هذا التكذيب واذا لم اذكر هذه الحقيقة , فماذا اقول ؟ اليس في ذكرها فائدة لطائفة من الناس ؟ اذن ؟
اتريد مثالا اخر ؟ يقولون لك ان كذب المرأة , صاحبة الدار , وان كلماته الاخيرة عندما صفعه الاثبات وحوادث تعذيبه , هي امور غير واقعية – وفيها شعار ما – ولكن لماذا ننفي الحقيقة ونفتش في اذهاننا عن حادثة يقول عنها النقاد انها ممكنة الوقوع , اليس في الذي وقع ممكن اوضح ؟
اريد من كل الذي كتبت ان اسأل – اليس من حق هذا الانسان الطيب النبيل , ان يحتفظ لنفسه بحوادثه الخاصة تلك التي بذل فيها جانبا من

المزيد


مَا تَبَقَّى لكم ___________ غسان كنفانى

نوفمبر 8th, 2006 كتبها abdalla makki نشر في , كتـــــــــــــــب

مَا تَبَقَّى لكم

1966

صار بوسعه الآن أن ينظر مباشرة إلى قرص الشمس معلقاً على سطح الأفق، يذوب كشعلة أرجوانية تغطس في الماء، وفي اللحظة التالية غاصت الشمس كلها، وبدأت الخطوط المتوهجة التي خلفتها معلقة على حافة السماء، تتراجع أمام جدار أشهب صعد لامعاً بادئ الأمر ثم تحول إلى مجرد طلاء ابيض.
وفجأة جاءت الصحراء.
رآها الآن لأول مرة مخلوقاً يتنفس على امتداد البصر، غامضاً ومريعاً وأليفاً في وقت واحد، يتقلب في تموج الضوء الذي أخذ يرمد منسحباً خطوة خطوة أمام نزول السماء السوداء من فوق.
واسعةً وغامضة، ولكنها أكبر من أن يحبها أو يكرهها. لم تكن صامتة تماماً، وقد أحس بها جسداً هائلاً يتنفس صوت مسموع. وفجأة انتابه الدوار وهو يغوّص فيها:
أطبقت السماء فوقه بلا ضجيج، وتراجعت وراءه المدينة حتى استحالت إلى نقطة سوداء في نهاية الأفق.
وأمامه، على مدّ البصر، تنفس جسدُ الصحراء فأحس بدنه يعلو، ويهبط فوق صدرها. وفي قلب الجدار الأسود الذي انتصب وراء الأفق أخذت المصاريع تنفتح واحداً وراء الآخر، فتنبثق وراءها نجومٌ ذات لمعان قاس.
عندها فقط عرف أنه لن يعود. وبعيداً وراءه غابت غزة في ليلها العادي، غابت مدرسته بادئ الأمر ثم غاب بيته، وانطوى الشاطئُ الفضيُّ متراجعاً إلى الأمام تاركاً لخطواته أن تُصدر فحيحاً مخنوقاً، مستشعراً ذلك الإحساس الذي كان يملؤه دائماً حين كان يلقي بنفسه في أحضان الموج: قوياً وضخماً ويتدفق بصلابة لا تصدق ولكنه مملوءٌ، أيضاً، بالعجز المهبض الكامل.
وأخذ يغوّص في الليل، مثل كرة من خيوط الصوف مربوط أولها إلى بيته في غزة، طوال ستة عشر عاماً لفوا فوقه خيطان الصوف حتى تحول إلى كرة، وهو الآن يفكها تاركاً نفسه يتدحرج في الليل: " كرر ورائي: زوجتك أختي مريم-زوجتك أختي مريم-على صداق قدره-على صداق قدره-عشر جنيهات-عشر جنيهات-كله مؤجل-كله مؤجل".
ثم أخذت العيون تأكل ظهره وهو جالس أمام الشيخ. كل الذين كانوا هناك يعرفون أنه لم يزوجها وإنها حامل، وأن الكلب الذي سيصبح صهره يجلس إلى جانبه يضحك في أعماقه بصوت مسموع.
كله مؤجل، طبعاً. فالمعجل هو جنين يخبط في رحمها. وخارج الغرفة أمسكها من ذراعيها: " لقد قررت أن أترك غزة "، وابتسمت فبدا فمها الملطخ بالحمرة جرحاً دامياً انفتح فجأة تحت أنفها " أين ستذهب؟ " قالتها وتركت فمها مفتوحاً كأنها تريد أن تقول له انه لا يستطيع-" سأذهب إلى الأردن، عن طريق الصحراء"-تهرب مني؟ وهز رأسه: " لقد كنت كل شيء، وأنت ملطخة وأنا مخدوع..لو كانت أمك هنا".
وغداً ستقول لابن الحرام الذي ستضعه في فراشها: " لو كانت جدتك هنا.." ثم يكبر ويتزوج وينجب ويقول لابنه: " لو كانت جدتك الكبيرة هنا " ..لو..لو..منذ ستة عشر عاماً، وهو يقول لها: لو كانت أمك هنا، إذا تشاجرا قال لها: لو كانت أمك هنا، إذا ضحكا، إذا انتابها الألم، إذا عجزت عن الطبخ، إذا طردوه من عمله، إذا وجد عملاً: لو كانت أمك هنا، لو كانت أمك هنا.
وأمه لم تكن هناك أبداً، على بعد ساعات من المشي، في الأردن، لم يستطع أحد أن يمشيها في ستة عشر عاماً، وقد عقد عزمه على أن يفعل ذلك حين كان يقول، دون أن يعي: " زوجتك أختي مريم…".
كان يلتهب، مبتلعاً مرارة حادة حتى معدته، إلاَّ أنها رجعت خطوتين وهي لما تزل تبتسم تلك الابتسامة الدامية، ومن ورائها نبح الكلب، فقالت له: " صهرك حامد يريد أن يترك غزة " – ولكنه لم ينظر إليه وأجابها كأنه لا يعرفه، كأنه لا يقف هناك: " حامد يقول أشياء كثيرة، اتركيه ".
وفي اللحظة ذاتها تساءل: " ترى أين حدث ذلك؟ " ونظر إلى بطنها المكور برفق تحت الثوب وفكَّر: "ذات يوم ترك مدرسته بلا شك ، أخذ إذناً من المدير، ربما قال له إن الصداع يحطم رأسه. دائماً يقول: " الصداع يحطم رأسي "، وجاء إلى البيت أثناء غيابه عنه، وقد فتحت له ودخل. فكَّ أزرار قميصها فيما تظاهرت بأنها لا تستشعر شيئاً. ولكن متى؟".
واستدارت دون أن تقول شيئاً، وأخذت ترد على الضيوف دون أن تعي: "عقبالك" وطارت كلمة عالية: مبروك-مبروك، وامتدت إليه أكفٌ باردة فصافحها وهو ينظر إليها، طوال شهرين علك وهماً كان يلجأ إليه كلما اجتاحته حُمَّى الغيظ: يحمل سكيناً طويلة ويندفع إلى سريرها يكشف عن وجهها فتفتح محجريها تاركة الجنون يطلّ منهما، يمسكها من شعرها ويقول لها شيئاً، ينظر إليها فقط فتفهم كل شيء، ثم يطعنها طعنة واحدة في القلب تماماً، ويندفع إلى خارج الدار يبحث عنه. صهره. زوجتك أختي مريم على صداق قدره عشر جنيهات كله مؤجل. صهره.
لقد تركته يلوثها، أعطته نفسها في ربع ساعة مسروقة منه، وحين زرع الطفل في رحمها كان قد أمسك به من عنقة:
"
أنت حر، زوجنيها أو لا تفعل، فلست أنا الذي يخسر ".
-
ولكن لِمَ لمْ تقل أنك تريدها؟ هز رأسه فيما كان يبتسم ابتسامة تاجر شريف: " هذا الذي حصل ". وأراد أن يقوم فيضربه، إلا أنه واصل الابتسام: " أنت لا تريد ضربي، أليس كذلك؟ سيقولون أنك ضربت الرجل الذي
.."
كفى!!!

كان ضئيلا بشعا كالقرد , إسمه زكريا وكان بوسعه ان يعتصره بين قبضتيه الكبيرتين, وأن يخنقه بمجرد الاطباق حول خصره, ولكنه كان عاجزاً وكانت أخته مريم تتسمع وراء الباب والجنين يضرب في أحشائها, وحين غادر آخر الضيوف أغلق سهره الباب, وعاد وكأن البيت بيته : خلع حذاءه وتمد على المقعد, فبدا مجرد لطخة مصادفة في مكان غير مناسب.
ثم تنهد وشبك كفيه وراء رأسه, وأخد ينظر بارتياح مقيت الي أشياء الغرفة . وأخيراً استقر بصره عليها فأخذ يتحدث فاتحاً فمه على وسعه : "إذن يريد أن يذهب , يريد أن يعبر الصحراء…. لم يقل لي مبروك بعد , فأنا الآن صهره , ثم اني أكبر منه ".
ثم نهض كأن المقعد قذفه وأخذ يتجول في الغرفه ناظراً إلي الأرض: "انه يهددنا يا مريم , فلماذا لا تقولي له اننا لا نكترث به؟" . لا انها بقيت صامته متكئة على الجدار كزوجة قديمة تتزوج مره أخري , توقف ونظر إليها من جديد متخذاً وضع خطيب مؤثر :"إن الصحراء تبتلع عشرة من أمثاله في ليله واحدة" وأعطاه ظهره بحيث واجه مريم: " عليه أولا أن يجتاز حدودنا ثم عليه أن يجتاز حدودهم , ثم حدودهم , ثم حدود الأردن , وبين هذه الميتات الأربع توجد مئات من الميتات الأخرى في الصحراء…. ألست متأكدة من أنه يمزح مزحاً سخيفاً.؟ "
ولكنها لم تجيب , وبدا جو الغرفة خانقاً ومشدوداً. وحول ياقته انبثق خطٌ من العرق وسمع نفسه يلهث. كان يعرف تماماً انه سيبدو سخيفا إذا تكلم , ولكنه لم يستطع أن لا يفعل , فقام عن كرسيه واتجه إلى الباب لا تردد , وفي اللحظة المناسبة استدار : " سأغادر غداً مساء ".

وأراد وهو يهبط السلم , أن يستمع إلي أي نداء . أن يلحقه صوت مريم : " عد يا حامد! " أن تصيح , أن تقول شيئا . ولكنه لم يسمع إلا أصوات خطواته وهي تخفق على السلم . وقبل أن يصل الرصيف صفُق البابُ وراءه , دون أية كلمة وساد الصمت .

سقط الظلام تماماً الآن وسقطت معه ريحٌ باردة صَفَرتٌ فوق صدر الصحراء , كأنها لهاث مخلوق ميت , ولم يعد يدري ما إذا كان خائفاً .فثمه قلب واحد كان ينبض ملء السماء في ذلك الجسد المترامي على حافة الأفق . توقف هنيهة وحدَق إلي السماء خيمةً سوداء مثقبة , وبدا له المدي غامضاً مثل هاوية , رفع ياقة معطفه وغرس كفيه في جيبيه الكبيرين . وفجأة ذاب الخوفُ وسقط , ولم يعد ثمه إلا هو والمخلوق الموجود معه , وفيه يتنفس بصفير مسموع , ويسبح بجلال في بحر من العتمة المرصعة . ومن بعيد ترامي إليه الهدير , فبدا له شيئا متوقعاً تماماً , ليش بمقدور أي شئ في هذا المدى المبسوط أن يكون مفاجئاً , ليس بوسع أي شيء أن يكون إلا إلا صغيراً و واضحاً وأليفاً في هذا العالم الواسع المفتوح على وسعه أمام كل شيء , لقد بدا الهدير في البدء قادماً من الجهات الأربع ثم ما لبث أن اتضح . ومن بعيد مسح خطٌ مستقيم من الضوء حافةَ الأفق مثل عصا بيضاء تدور على طرفها نصف دورة , وفي اللحظة التالية أطلت من بعيد عينان مضيئتان أخذتا تهتزان وهما تنثران حولهما ضوءاً دائرياً . ودون أن ينتابه خوف أو تردد استلقي على الأرض وأحس بها تحته ترتعش كعذراء , فيما أخذ شريط الضوء يمسح ثنيات الرمل بنعومة وصمت , عندها فقط شد نفسه إلي التراب وأحسه دافئاً ناعماً , وفجأة تعالى الهدير وصارت السيارة أمامه تماماً , فغرس أصابعه في لحم الأرض وذاق حرارته تسيل الي جسده , وبدا له أنها تنفست في وجهه فلفح لهاثُها المستثاُر وجنتيه , وشد إليها فمه وأنفه , فاشتد الوجيب الغامض فيما استدارت السياره فجأة , فالتمع الضوء الأحمر في مؤخرتها وأخذ يذوب في الليل .
زوجتك أختي مريم –أراح وجنته فوق صدرها الدافئ مرة أخرى فيما أخذت نسمات بارده تغسله , تلاشي الآن الضوء الأحمر تماماً , كأن يداً أطفأته عنوةٌ _ لو كانت أمي هنا ….لو كانت أمي هنا _ استدار ومرر شفتيه فوق التراب الدافي : " ليس بمقدوري أن أكرهك , ولكن هل سأحبك..؟ أنت تبتلعين عشرة رجال من أمثالي في ليله واحدة _أنني أختار حبك , أنني مجبر على اختيار حبك , ليس ثمة من تبقي لي غيرك…".

ليس ثمة من تبقي لي


المزيد


القبعة والنبي _________ غسان كنفانى

نوفمبر 8th, 2006 كتبها abdalla makki نشر في , كتـــــــــــــــب

غسان كنفانى

القبعة والنبى

 

تترك هذه المسرحية للمخرج حرية مطلقة في التصرف، والملاحظات التالية ينبغي أن تحمل على محل الاقتراحات، بما في ذلك دمج الفصول الثلاثة في فصل واحد.
1-
المسرح: طاولتان متشابهتان يفصل بينهما حاجز حديدي يوحي بقفص الاتهام، على انه ينبغي أن لا يكون هذا الحاجز بارزاً بطريقة تجذب النظر للتركيز عليه. القفص هذا مكون من ضلعين، الضلع الذي يفصل بين الطاولتين، والضلع بالذات قابل للحركة، بحيث يدور على مفصله المربوط إلى الضلع الأخر بسهولة، وبوسع حركة من هذا النوع، ببساطة، أن تحمل طاولة المحكمة وكأنها داخل القفص والطاولة الأخرى ( طاولة المتهم)طليقة.
نصف المسرح الذي تشغله طاولة المحكمة يوحي بالجدية والعراء، لا ديكور ولا أي شيء يوحي بمميزات خاصة.الطاولة عارية وفي أحد دروجها يوجد حبل. نصف المسرح الأخر الذي تشغله طاولة المتهم، له شخصية المنزل المتواضع، في صدره باب ينفتح على شرفة هي في الوقت ذاته المدخل إلى " المنزل "- حاجز الشرفة يبدو بوضوح للمشاهد حين ينفتح الباب.
2-
الأشخاص: المتهم شاب في ملابس عادية. يكون في معظم المسرحية دون قميص، ويبدو بقميصه الداخلي طبيعياً للغاية.
رقم1 ورقم2 شخصان متشابهان، أنيقان دون إفراط، ودون ما يوحي بالرسمية.صوتاهما-بصفة عامة- حياديان وميالان للتقريرية.
السيدة: شابة جميلة وأنيقة ووالدتها مبهرجة قليلاً ومتصابية وذات مظهر عدواني إلى حد ما.
ساعي البريد يلبس ملابس عادية ويتميز بقبعة رسمية فقط، ولا يحمل حقيبة، وشديد الفضول.
3-
الشيء: محور أساسي، ولذلك فتصميمه ينبغي أن يخضع لشروط لا مفر منها أولها أن لا يكون، بأي حال من الأحوال، معدنياً، ولا يمت بأية صلة لشكل يشبه الإنسان أو الحيوان أو النبات الشائع.لونه اسود وبالوسع إدخال اللون البنفسجي.ذو مظهر اقرب للقماش أو المطاط وتكوينه ويتميز بفروع مثل أوراق الشجر العريضة فوق قبة-سوف يستعمل فيما بعد كقبعة مبتكرة- أما تحريكه فثمة وسائل عديدة لذلك. أبسطها كما يبدو أن يحرك عبر ثقب في الطاولة التي لن يبرحها تدخل منها يد لرجل يجلس تحتها ولا يظهر على الإطلاق.أما الفروع فيمكن أن يعتمد في تحريكها على اهتزاز لنوابض تكون داخلها.
وفي كل الحالات: لا ينبغي أن يوحي " الشيء" بأي شيء فكاهي أو مضحك.
وبالنسبة لصوته فإن أقرب التصورات هو أن "ينطق" بواسطة مسجل.الصوت ينبغي أن يكون واضحاً للغاية ولكنه غير طبيعي تماماً، بوسع الرجل الذي سيتولى تحريك الشيء الإشراف على المسجل أيضا.
الشرطي: استعملت هذه الكلمة في وصف الرجل الذي سيكون عليه، دون النطق بكلمه واحده، تحريك الحاجز بين الفينة والأخرى. لا ملابس رسمية ولكن صرامة الرجل الرسمي المكلف. ولا تعاطف، وغالباً لا يلفت نظر أي من أشخاص المسرحية ولا يقاطع إحداثها وحوار إبطالها. من الأفضل أن يجلس هذا " الشرطي " في مقاعد المتفرجين الأولى ويتحرك منها إلى المسرح ويعود إليها، وكذلك فان وجوده على طرف المسرح الأقصى، الأقرب إليها، وكذلك فان وجوده على إطراف المسرح الأقصى، الأقرب للجمهور، ممكن بشرط ألا يلفت وجوده نظر احد إلا حين يتحرك. ينبغي أن ينسى تماماً حين لا يكون ثمة ما يفعله، ولكنه أبدا لا يدخل أو يخرج من الكواليس.
الضوء: سيتزايد دور الضوء باطراد كلما اقتربت المسرحية من نهايتها، ولا ضرورة هنا لملاحظات أكثر من تلك التي سترد في السياق فيما عدا الإشارة إلى أن تركيز الضوء على أحد نصفي المسرح ينبغي إلا يخفي تماماً النصف الأخر، ومن الضروري أن تظل أشكال الأشخاص في النصف المعتم ( سيلويت ) واضحة إلى حد ما.

على أن تصرف مخرج يلتقط المعنى الأساسي للمسرحية يظل من شأنه أغناء المسرحية.

غ.ك.

المشهد الأول

رقم1: ( وكأنه يكمل حديثاً) أما وقد انتهينا من المحاكمة فسأصدر الحكم الآن. قف كي تسمعه كما ينبغي.
المتهم: ( دون اهتمام ولكن بقليل من الدهشة ) تصدر حكمك ؟انتهينا من المحاكمة؟(يقف)ولكننا يا سيدي لم نبدأ بعد!
رقم 1: ( مخاطباً رقم 2 ) أسمعت ما قال ؟ يقول أننا لم نبدأ بعد.
رقم2: لننته من الموضوع بسرعة..دعنا نشنقه هنا والآن..أليس هذا هو الحكم الذي اتفقنا عليه؟( يخرج من درج الطاولة حبلاً ويضعه على الطاولة).
المتهم: ( يدور حول الطاولة ويمسك الحاجز بكلتي كفيه) أيها السادة دعوني أذكركم بأننا لم نبدأ! لقد قبض علي أمس فقط ولم يقابلني أحد طوال الليل ثم جيء بي إلى هنا، وكنت اعتقد أننا نجتمع للتعارف.
رقم 1: أيها القاتل.
رقم2: قاتل ووقح أيضاً.
رقم1: قاتل رهيب ( مشيراً إلى الشيء الأسود أمامه ) والجثة ما تزال أمامه وقد بدأ ينكر حتى قبل أن ندفنها.
رقم2..حتى قبل أن يجف دمها..
المتهم: دمها؟
رقم1: لننسى موضوع الدم( ملتفتاً إلى رقم2) الحقيقة أنه لا يوجد دم.
رقم2: قتلها خنقاً.
المتهم: خنقاً؟ انه شيء لا يستعمل الهواء.
رقم1: قتلته..وهذا يكفي.
المتهم: قتلته أم قتلتها؟ يا سيدي! أنا أقبل حكمكم لو تقررون إذا كان الشيء هو أو هي.
رقم1: هذه مسألة لا تخص القانون.لا تخرجنا عن الموضوع.لقد ارتكبت جريمة قتل وهذا يكفي.
المتهم: قتل من؟
رقم1: قتل هذا( مشيراً إلى الشيء الأسود)
المتهم: أنظر كيف تتهرب من الموضوع! إنني أسألك ( يعلو صوته ويأخذ حالة الهجوم) هل تسمع؟ إنني أسألك: ماهو هذا الذي قتلته.
(
يتقدم " الشرطي " بهدوء ويحرك ضلع الحاجز المواجه للجمهور وينقله على محوره إلى الجهة المقابلة فيبدو القاضيان الآن في قفص والمتهم دونه).
رقم1: ( مخاطباً رقم2 ) قل له ما هو هذا.
رقم2: قل له أنت.
المتهم: أنه شيء لا يوجد فيه دم.لا يتنفس.لا يأكل .ليس من المعروف إذا كان ذكراً أم أنثى..لقد تفحصته بنفسي،ليس فيه شيء يمكن أن نسميه عضواً تناسلياً ..فكيف يمكن قتله؟
رقم1: ولكنه كان يحكي يا سيدي.
رقم2: وكان يشرب أيضاً.
المتهم: إن الاسطوانة تحكي، وشجرة الصبار تشرب-هذا لا يكفي..هل لديكم إثباتات أخري؟
رقم1: في الواقع لا..ولكن هذا لا ينهي الموضوع. قد يكون مخلوقاً عجيباً.. وعلى أي حال أنت قتلته وقد قلت ذلك بنفسك للسيدة.
المتهم: هل ادعى أحد علي؟
رقم2: ليس حتى الآن..ولكن معلوماتنا تقول أن له أخاً جاء معه ثم اختفى، وقد يظهر يا سيدي في أية لحظة ويطالب بدم أخيه..
المتهم: لا يوجد دم.
رقم2: يطالب بحياته أذن.
المتهم: إن الذي لا يأكل ولا يتنفس ولا يضاجع امرأة لا يمكن أن يكون شيئاً حياً.
رقم2: يطالب به.
المتهم: يطالب به أو بها؟
رقم1: الواقع يا سيدي إن الموضوع موضوع أخلاقي في الدرجة الأولى، لنفترض أن أخاه جاء ذات يوم وطالب به..فماذا نقول له؟
رقم2: نعم، ماذا نقول له؟ أنها لاتهم هذا الوطن فقط ولكنها تهم العالم بأسره.
رقم1: تهم الكون كله في الواقع.
رقم2: ( ينظر بحسرة إلى الشيء الأسود)لقد جاء المسكين من كوكب آخر فقتلته أنت!
المتهم: ( يبكي ) أنا أكثر حزناً عليه منكم!
(
يتقدم الشرطي فينقل الحاجز فيصبح المتهم في القفص من جديد)
رقم1: (بصوت عال) إذن لماذا قتلته أيها المجرم؟
رقم2: أيها المجرم.
المتهم: لقد مات وحده.
رقم1: ولكن أنت السبب في ذلك..اعترف.
رقم2: اعترف فوراً ( يرفع الحبل ويلوح به )
المتهم: إنني أرفض هذه المحاكمة..صحيح أنني حزين ( يبكي ) ولكن هذا لا يعني أنني القاتل..( ينتعش ) ثم من هذا الذي قتل؟ ما هو اسمه أو اسمها؟كيف قتل؟تصوروا لو أنكما قررتما قتل كل حزين في هذا العالم..لن يبقى غيركما.ثم ستحزنان أنتما لأنكما ستكونان عندئذ وحدكما، وسيقتل أحدكما الأخر.
رقم1: هذا صحيح..ولكن أمامنا جريمة ويجب أن ننتهي منها..إن القوانين قادرة على تغطية كل شيء..
المتهم: ولكنكما لم تنظرا في القضية..لم تسمعا الشهود..لم تتركاني أدافع عن نفسي..
رقم1: إن الجريمة واضحة ليست بحاجة إلى إضاعة الوقت..لم يعرف هذا الشيء أحد غيرك..فمن إذن يقتله؟ كيف يمكن أن يقتل إنسان ما شخصاً لا يعرفه؟
رقم2: ( للمتهم ) لقد أحرجك هذه المرة ووضعك في الزاوية..لماذا لا تجيب؟
المزيد


كتب تستحق القراءة والتحميل

نوفمبر 3rd, 2006 كتبها abdalla makki نشر في , كتـــــــــــــــب

هنا تجدون لعض عناوين ولينكات لكتب جيدة تستحق القراءة والتحميل حتى تتمكنوا من الاحتفاظ بهذة النسخ فى اجهز الكمبيوتر الرجاء الضغط على الينك للقراء والتحميل

 ( الإنسان والصرصار ) لـ دوستويفسكي

http://www.sudaneseonline.com/http://www.f5f.com/uploads/10-10-06~distofiski.zip

الخيميائي لـ باولو كويلو

http://www.alsakher.com/books/5emyaee.zip

قصص قصيرة لـ أنطون تشيخوف

http://www.alsakher.com/books/Chekov-stories.zip

موسم الهجرة الى الشمال_ الطيب صالح

http://www.mofakren.com/modules.php?name=Downloads&d_op=getit&lid=686

 عودة الوعي لـ توفيق الحكيم

http://www.mofakren.com/modules.php?name=Downloads&d_op=getit&lid=994

 
( هتافات )

لــ برنارد داديي (من تشاد)

http://www.f5f.com/uploads/10-12-06~______.doc

( المهلة الأخيرة )

لـ فالنتين راسبوتين

http://www.alsakher.com/books/almuhla_ala5era.zip

قصص لـ غسان كنفاني

http://www.alsakher.com/books/kenfanystory.zip

( الشعر في السودان ) لـ د. عبده بدوي

http://al-mostafa.info/data/arabic/aalam/Issue-041.pdf

( جمهورية فرحات ) لـ يوسف ادريس

http://www.alsakher.com/books/gmhoryah.zip

( مدينة الرياح ) لـ موسى ولد إبنو

http://www.alsakher.com/books/rya7.zip

( الزهير ) لـ باولو كويلو

http://www.alsakher.com/books/zahir.zip

( الرقص مع البوم ) لـ غادة السمان

http://www.alsakher.com/books/dance.zip

 

مذكرات بلجريف

http://www.alsakher.com/books/mozkeratbelgref.zip

جمال عبدالناصر , فلسفة الثورة

http://www.alsakher.com/books/naser.zip

خريف الغضب لـ محمد حسنين هيكل

http://www.mofakren.com/modules.php?name=Downloads&d_op=getit&lid=802

سنة ثالثة سجن لـ مصطفى أمين

http://al-mostafa.info/data/arabic/nc/my_Third_year_in_prison.by…theknowledge_walls@yahoo.com.rar

( احدي عشرة دقيقة ) لـ بابلو كويلو

http://www.f5f.com/uploads/10-14-06~_______11.doc

( التخيل ) لـ جان بول سارتر

http://www.f5f.com/uploads/10-16-06~IMAGINATION.doc

المزيد





لا نبحث في السطح. بل نحاول اقتحام الباطن. لا نكتفي بالمعطيات والنتائج، إنما نغزو الموقع الذي منه تتشكل العلاقات والحالات. فالذي يرصد الظواهر يتعين عليه أن يتقن الإمساك بالعناصر و الأبعاد، مسلحا - لا بالحدقة وحدها ولكن - بالغريزة والحدس والرؤيا وبعض مهارات الحاوي أو الساحر. أي أن يكون مزيجا من
: الشاعر والروائي والفيلسوف والكيميائي و الساحر، عندئذ

التفاحة تصير منجما، والخوذات للزينة