فخ الثقافوية
(نقد كتاب رضا هلال المعنون "المسيح اليهودي ونهاية العالم")
د. سمير أمين
1- تتلخص أطروحة رضا هلال في كتابه المعنون بـ "المسيح اليهودي ونهاية العالم" في مقولة بسيطة مفادها انحياز الولايات المتحدة لدولة إسرائيل ومساندتها مساندة شاملة بلا قيد ولا شرط في مشروعها التوسعي الذي يسعى إلي تصفية الوجود العربي في فلسطين علي الأقل بل وفي المناطق المجاورة "من النيل إلي الفرات" إذا سمحت الظروف بذلك، ويرجع ذلك إلي أسباب ثقافية الطابع أكثر منها سياسية أي بتعبير آخر إن هذا الانحياز لاهوتى المصدر وليس انحيازا استراتيجيا ناتجا عن المشاركة في المصالح. بل يزعم رضا هلال أكثر من ذلك ويدعي أن هناك تناقضا بين الخيار المذكور ـ أي مساندة إسرائيل ـ وبين مصالح الولايات المتحدة (دون تحديد مضمون ما يعنيه هو بالمصالح المعنية) ثم يستنتج رضا هلال من اكتشافه لهذا التناقض المزعوم (والذي سوف نرى أنه قائم علي تجاهل واقع المجتمع الأمريكي وممارسات طبقته الحاكمة)، إن الجمهور الأمريكي ـ أي الرأي العام ـ هو الذي يفرض علي مؤسسة الحكم هذا الخيار المنحاز للمشروع الصهيوني.
ثم تقوم الأطروحة علي فضح "يمين مسيحي" له نظرة دينية تدعو إلي مساندة الصهيونية حيث إن المسيحية طبقا لهذا الفهم قد أصبحت "يهو مسيحية" أي مسيحية "نصف يهودية"، ويبحث المؤلف عن مصادر هذا الفهم للمسيحية فيجدهما في تاريخ الثورة البروتستانتية التي أعطت الأولوية لقراءه التوراة (العهد القديم) ولو علي حساب مقولات الإنجيل (العهد الجديد) كما أن رضا هلال قد اختار من بين مختلف مقولات الإنجيل التركيز علي ذلك الفصل المعنون بـ "الرؤيا"Apocalypse المنسوب إلي القديس يوحنا، وذكر بهذه المناسبة أن القصة المذكورة تقوم علي تنبؤ بعودة اليهود إلي فلسطين وإحياء دولتهم اليهودية ثم عودة المسيح فاهتداء شعب إسرائيل للمسيحية ثم إنهاء العالم.
2 ـ ينطلق رضا هلال من وصف صحيح ودقيق لظاهرة اليمين المسيحي الأمريكي المعاصر وممارساته وأساليب عمله وخطوات صعوده لدي الرأي العام ومدى اكتسابه نفوذاً داخل المؤسسة الحاكمة وبالأخص في صفوف الحزب الجمهوري.
وبما أن هذه الظواهر ـ والتي أعتبر أنا وصفها في الكتاب المذكور صحيحا تماما ـ قد ظلت مجهولة إلي حد كبير في المجتمع العربي والمصري فإن إفادة الكتاب بذكرها قد أكسب المؤلف سمعة واسعة وقوة في إقناع القارئ بصحة وأهمية أطروحته.
ولنذكر هنا باختصار تلك المقولات الرئيسية التي يقدمها هذا التيار الديني المتطرف وممارساته وأساليب عمله ومدي مشاركته في المؤسسة الحاكمة.
ثمة فعلا "يمين مسيحي" بشكل عام قد تجلي في صور متتالية عبر التاريخ، فالديانات ـ شأن المسيحية في ذلك شأن جميع الديانات ـ ظواهر معقدة لها بالضرورة وجه اجتماعي. أقصد أن تعامل الديانة مع الواقع الاجتماعي وتباين المصالح الفاعلة في إطاره لابد أن يؤدي إلي تعدد "التفسيرات". فهناك دائما تفسير "محافظ" (يميني) يتمشى مع المصالح الحاكمة والمهيمنة كما أن هناك أيضا في بعض الظروف تتبلور تفسيرات أخري يطرحها المظلومون لدفع قضاياهم، وهي إذن تفسيرات تقدمية (يسارية) إلي حد ما علي الأقل.
هناك قاسم مشترك للتفسيرات اليمنية لا يتغير في جميع الظروف ألا وهو الدفاع عن "أخلاقية محافظة" تضفي أهمية حاسمة لإدانة "التغيير" الاجتماعي بشكل عام وما يرافقه بدوره من تحولات في مجالات الحياة الاجتماعية المختلفة وخاصة في مجال تنظيم العائلة. فالأخلاقية المحافظة تكره التغيير وتنظر له دائما على أنه مجرد "تسيب".
واليوم يركز اليمين المسيحي علي إدانة الإجهاض والتسامح بالنسبة للممارسات الجنسية المثلية. بل يلجأ في تعامله مع هذه الظواهر إلي استخدام وسائل العنف بما فيها الهجوم البدنى علي الأطباء والممرضات في المستشفيات التي تمارس الإجهاض.
يضاف إلي ذلك أن اليمين المسيحي الأمريكي يدافع عن مفهوم للحرية يكاد ينحصر في حرية تحرك الفرد في إطار آليات وفعاليات السوق. أي بمعني آخر دفاع عن "حرية المنشأة" في إطار الرأسمالية free enterprise هكذا ليبدو أن اليمين المسيحي المذكور إنما هو يمين "حديث " بمعني أن مفاهيمه للحرية والعدالة ليست هي مفاهيم اليمين المسيحي للقرون الوسطي علي سبيل المثال، فهو إذن تفسير يتمشى تماما مع مقتضيات المعاصرة الرأسمالية، وهنا نرى أن اليمين المسيحي المذكور يقع في فخ الاستلاب السلعي الخاص بالنمط الرأسمالي. فهو يمين حقيقي إذ إنه يعادي تماما مبادئ الاشتراكية التي تقوم علي نقد هذا الاستلاب ـ من هنا كراهيته للشيوعية وبالتالي توظيفه من قبل المؤسسة الحاكمة. بيد أن رضا هلال يتجاهل تماما هذا الوجه من الإشكالية، وذلك لأنه يتجاهل تماما مفاهيم النقد الاشتراكي للرأسمالية ومنها نقد الاستلاب السلعي فلا يهتم رضا هلال بماهية الرأسمالية كما سنري فيما بعد.
ويفيد رضا هلال القارئ بمعلومات صحيحة وهامة حول مدي "تدين" المجتمع الأمريكي ـ بالمقارنة مع شعوب أوروبا ـ ومدي تغلغل فكر اليمين المسيحي في هذا الإطار. ويشير إلي ممارسات وأساليب عمل استراتيجية وتكتيكية استخدمتها بعض الكنائس البروتستانتية والنحل الحديثة النشأة قد أدت بالفعل إلي إكساب هذا التيار وزنا ثقيلا في "الرأي العام"، ومن هذه الأساليب التغلغل في مؤسسات التعليم والقضاء والإعلام، فالانتقال إلي المجال السياسي من خلال التركيز علي جمع الأصوات الانتخابية لصالح مؤسسة الحزب الجمهوري. فالحركة ـ كما يقول رضا هلال ـ التي كانت "ما قبل السياسة" بمعني أنها لم تسع إلي السلطة قد أصبحت الآن حركة سياسية تسعي إلي ممارسة السلطة.
كما أن رضا هلال قد ركز علي الأساليب الإعلامية التي يستخدمها اليمين المسيحي الأمريكي ومنها بالأخص إلقاء خطب متكررة ومتبسطة في الإذاعات وقنوات التلفزة (الوعظ التلفزي).
لا أختلف أنا مع رضا هلال في أقواله بهذا الصدد، بل أوافقه تماما في دقة وصحة وصفه للظاهرة.
علي أن رضا هلال قد أضاف إلي مقولات اليمين المسيحي وممارسته الموصوفة أعلاه تركيزا خاصا علي "نظرة" هذا التيار الديني الرجعي إلي علاقته بالمشروع الصهيوني، له أهميته الخاصة، وسوف نرجع إلي هذا الجانب من الإشكالية فيما بعد.
3 ـ لن تفوت علي من قرأ وصف رضا هلال لأفكار وممارسات اليمين المسيحي، المشابهة التي تفرض نفسها بين تجليات هذا التيار الديني المتطرف وبين تجليات الإسلام السياسي.
فالتياران يشتركان في سذاجة النظرة إلي "المشكلة الأخلاقية والثقافية" ووضعها في مركز الاهتمام إن لم يكن من التحليل العلمي ـ الناقص تماما في كلتا الحالتين. والتياران يشتركان في نفس النظرة المحافظة بل الرجعية وكراهيتهما للتغيير بشكل عام ولما قد يحدث من تطور في العلاقات العائلية بشكل خاص. والتياران يركزان علي نفس الظواهر ـ مثل الإجهاض وتحديد النسل …إلخ. وكلاهما يلجآن إلي وسائل العنف من أجل "التخلص" مما يبدو لهما "تسيبا". والتياران يستخدمان نفس الأساليب للتغلغل في مؤسسات التعليم والقضاء بل يلجآن إلي نفس الأساليب في توظيف وسائل الإعلام وخاصة التلفزة. فمن سمع وعظا تلفزيا أمريكيا لا يفوت عليه التشابه الشامل بين أسلوبه وبين أسلوب الوعظ التلفري للإسلام السياسي.
وكذلك نجد تشابهاً واضحاً تمام الوضوح بين نجاح اليمين المسيحي الأمريكي في المشاركة فى الحكم وما يحدث في البلاد العربية. ففي كلتا الحالتين نواجه نفس ظواهر: ردة الدولة واتخاذها مواقف انتهازية في مواجهتها للحركة المعنية وذلك سواء أكان ذلك بالنسبة إلي الدولة الأمريكية نصف العلمانية أم بالنسبة إلي الدول العربية غير العلمانية!
وكذلك فإن الحركتين تشتركان في امتناعهما عن نقد الرأسمالية، بل قبولهما مبادئ سيادة علاقات السوق كما هي بلا تحفظ. فالإسلام السياسي هو الآخر يتجاهل مبادئ نقد الاشتراكية للرأسمالية ويقبل سيادة فعاليات السوق دون تساؤل يذكر. والحركتان أصبحتا حركتين سياسيتين بنفس المعني أي حركتين تسعيان إلي السلطة في إطار الرأسمالية فهما جزء لا يتجزأ من اليمين بشكل عام.
فالسؤال الصحيح الذي يجب أن يطرح هنا هو الآتي: ما هي المصالح الاجتماعية التي تخدمها هاتان الحركتان؟ ولماذا تلجأن إلي نفس الأسلوب "الديني" شكليا والمتخلف في حقيقة الأمر؟
لم يطرح رضا هلال هذه الأسئلة بل لم يخطر بباله التشابه الذي رأيت من الضروري توجيه النظر إليه.
أما أنا فأنسب الأسلوب الرجعي الديني الشكل الذي يشترك فيه التياران من أجل التوصل إلي السلطة إلي ظاهرة مشتركة ألا وهي التخلف الثقافي والسياسي للمجتمعات المعنية. أقصد تخلف المجتمع الأمريكي ـ بالمقارنة مع المجتمعات الأوروبية التي تنتمي هي الأخرى إلي مراكز المنظومة العالمية ـ وكذلك تخلف المجتمعات العربية والإسلامية في المرحلة الراهنة بالمقارنة بما كان الأمر عليه في مراحل سابقة من التاريخ القديم والحديث













