عبد السلام أديب
مقدمة
قبيل الهجوم الأمريكي على العراق، تحدثت الكثير من الصحف الأمريكية عن توقعات بورصة وول ستريت حول نتائج الحرب المحتملة على العراق، وفي هذا الصدد أشارت صحيفة “واشنطن بوست” الصادرة في 13 فبراير 2003 إلى أن الاعتقاد السائد بسيط جدا وهو: “أن الحرب ستكون قصيرة وتأثيرها على سوق المال سيكون حلو المذاق”.
الغرض من الإشارة إلى هذه الواقعة هو للتأكيد مرة أخرى على صحة مقولة عالم الحرب “كلوزويتز” التي أعلنها منذ قرنين من الزمن بأن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى. وليس من العسير على أحد فهم أن الأزمة الاقتصادية تضيق من مجال الإنتاج وإذن تحد من إمكانيات اعتماد سياسات “اجتماعية”. وقد أكد ماركس على أنه في حالة الأزمة يتحول الرأسماليون إلى العمال لجعلهم يتحملون عبء إعادة الهيكلة وفي نفس الوقت يدخلون في صراع فيما بينهم لاقتسام الكعكة المتبقية. من هنا يحتد التناقض بين مختلف الطبقات وأيضا في قلب الطبقة الرأسمالية.
ذلك هو ما يقع اليوم، فليس غريبا رؤية القوة العالمية الأولى، الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار انشغالها بالحفاظ على هيمنتها على الكوكب بكامله، تبحث عن فرض حلولها على بقية العالم. وبطبيعة الحال فإن كلمة “فرض” تعني “اللجوء إلى القوة”، وإذن إلى الحرب. إن الوصف الوحيد الذي يمكن إطلاقه على العدوان الأمريكي على عدد من مناطق العالم كغريندا وباناما والعراق ويوغوزلافيا وأفغانستان هو أنه عدوان إمبريالي. فلا تستهدف كل هذه الاعتداءات تحقيق سعادة الإنسانية أو القضاء على مجرم خطير أو من أجل قضايا حقوق الإنسان كما تدعي ذلك وسائل الإعلام الأمريكية. بل هي على العكس من ذلك تسعى إلى ضمان أولوية مصالح الشركات متعددة الاستيطان الأمريكية على ملايين العمال والشعوب في دول العالم الثالث.
فالحرب الإمبريالية تمكن إدارة واشنطن ونيويورك من القضاء (أو محاولة القضاء) على كل معارضة لهذه الهيمنة، وبالتالي فرض قوانين وقواعد تقررها المجموعات الصناعية والمالية الأمريكية، وعلى دفع عجلة استراتيجيتها في جميع مناطق العالم، خصوصا في الشرق الأوسط، الغني باحتياطات البترول، والقضاء على منافسة بعض الأسواق… فالحرب بالنسبة لها ضرورية ولازمة خصوصا في زمن الأزمة، لأن المقاومة الشعبية والوطنية تتزايد في هذه الفترات. ولأن نظام الهيمنة يصبح هشا وغير مستقر. ولأن المنافسين الأوروبيين والآسيويين يمكنهم الاستفادة من هذا الضعف لاكتساب امتيازات الاستقلال الذاتي. كذلك بالنسبة “لأسياد العالم” يجب توجيه ضربة لتذكير الجميع بأن سياسة الكوكب تقرر في واشنطن وبأن الثروات تراكم في نيويورك.
تحاول هذه الورقة تأكيد الارتباط القائم بين الأزمة الاقتصادية والحرب الإمبريالية وإمكانية انتصار الثورة البروليتارية بقيادة أحزاب شيوعية مؤمنة برسالتها التاريخية في الاشتراكية والعدالة والمساواة.
أولا: دور الأزمة في ظهور الإمبريالية
تؤكد الدراسات المختلفة أن رأسمالية المنافسة الحرة بين مقاولات صغيرة نسبيا لم تتجاوز عقد السبعينات من القرن التاسع عشر، فانطلاقا من هذا التاريخ بدأت الرأسمالية تتحول من المنافسة إلى الاحتكار. ويقوم تفسير هذا التحول على عدد من المتغيرات أهمها محاولة التغلب على الأزمات الاقتصادية الدورية التي كانت سائدة قبل هذا التاريخ. غير أن هذا التحول كان له وقع أيضا على طبيعة الأزمة نفسها والنتائج المترتبة عنها منها على الخصوص حتمية الحروب الإمبريالية وانفتاح آفاق الثورة أمام الشعوب المضطهدة.
ففي ضل رأسمالية المنافسة الحرة كانت الباطرونا المدفوعة بهاجس الربح، تعمل على إنتاج سلع تتجاوز مما يمكن للناس شرائه، فيتطور الإنتاج في هذه الحالة بمستوى أكبر بكثير من السوق. ولحل هذا التناقض الذي يتسبب في أزمة تصريف المنتجات تلجأ الرأسمالية إلى وسيلتين، حيث تلجأ أولا إلى تحطيم قوى الإنتاج، بشكل يؤدي إلى إرجاع الإنتاج إلى المستوى الذي يتيح للسوق امتصاصه. وتلجأ ثانيا إلى توسيع السوق، إما عبر تكثيف العلاقات التجارية مع الدول الرأسمالية الأخرى، أو عبر إدخال دول جديدة أو جهات جديدة في هذه العلاقات. ويمكن ذلك من رفع مستوى السوق إلى مستوى الإنتاج.
لكن انطلاقا من سنة 1873، انفجرت الأزمة في أغلبية الدول الأوروبية. وبدلا من معالجتها تقليديا من خلال ميكانيزم تقويمي عنيف، فإن هذه الأزمة دامت، وتعمقت، ولم تنتج عنها مرحلة رواج جديدة. إنها بداية ما يسميه المعاصرون لنهاية القرن التاسع عشر بالأزمة الكبرى. هذا التراجع الذي سيمتد يبين بأن الرأسمالية أحدثت تناقضات جديدة، لا يمكن الخروج منها، أو على الأقل لا يمكن الخروج منها سريعا. فقد كتب انجلز من لندن رسالة إلى بابل، أحد مؤسسي الحزب الاجتماعي الديموقراطي الألماني، سنة 1885 بأن أزمة مزمنة لا زالت تخيم في إنجلترا في جميع فروع الإنتاج الأساسية، كما هو الشأن في فرنسا وأمريكا، خصوصا في مجال الحديد والقطن. وقد اعتبرها وضعية غير مسبوقة، رغم كونها منبثقة عن النظام الرأسمالي، فالإفراط في الإنتاج بلغ حجما لا يمكن حتى معالجته عبر الأزمة .
وفي إطار محاولة الرأسماليين إيجاد مخرج كالعادة، عبر تحطيم قوى الإنتاج وعبر توسيع السوق . تسارعت عملية تمركز رأسمالي بشكل غير مسبوق، بينما تم تحطيم الضعفاء من الرأسماليين. فقد دخلت الأبناك بكثافة في رأسمال المقاولات بشكل ما، لدعمها في مواجهة الأزمة. لكنها بهذه الطريقة ضاعفت أكثر من الاحتكارية. وبموازاة مع ذلك، ضاعفت المقاولات تجارتها مع الخارج. كما استثمرت كذلك خارج حدودها الإقليمية. ومن أجل ضمان نمو هذه الأنشطة، انطلقت الدول في عمليات استعمارية مجنونة، حيث أصبحت المستعمرات تضمن للرأسمال الوطني التطور في مأمن من منافسة الدول الرأسمالية الأخرى. وقد مكنت هذه اللعبة بسرعة من اقتسام العالم بين بضعة قوى رأسمالية كبرى.
لقد شكلت أزمة 1873 التي دامت إلى غاية 1895 عاملا مهما في تحول الرأسمالية نحو الإمبريالية، بمعنى في مرحلة، أصبح فيها الصراع الاقتصادي لا يتم فيما بين الرأسماليين الصغار نسبيا، وإنما فيما بين الاحتكارات الكبرى. بطبيعة الحال، فإن هذه العملية لا يمكن تفاديها بالنظر إلى طبيعة الرأسمالية: فالمنافسة الحرة تؤدي إلى تمركز الإنتاج، الذي، عندما يصل درجة معينة من التطور، يؤدي إلى الاحتكار” . لكن الأزمة نفسها تعطي لهذا الاحتكار دفعة مسرعة قوية.
فقد تحولت المستعمرات إلى منافذ مهمة بالنسبة لسلع المتربول. فقد امتصت الهند مثلا، 6 % من المنتجات الصناعية القطنية البريطانية في سنة 1815، وارتفعت إلى 22 % سنة 1840، ثم إلى 31% سنة 1850 وبين 40 و45 % في نهاية سنة 1870. ففي بداية القرن التاسع عشر، كانت الهند تتوفر على صناعة قطنية جد متقدمة، الأكثر تطورا في العالم لحد ذلك الحين، لكن المحتلين الإنجليز دمروها لكي يتيحوا للقطن الهندي تزويد صناعة لانكشاير وليس الأنشطة المحلية. وهكذا أصبحت الهند في نهاية القرن المنفذ الرئيسي للصناعة القطنية البريطانية. وقد شكل هذا الاختراق إيجابيات أخرى للرأسماليين الإنجليز.
فسيتم ارساء الخطوط الأولى للسكك الحديدية في آسيا، سنة 1853. وفي سنة 1890، تم بناء 27.000 كلم من خطوط السكك الحديدية . وبصفة عامة فإن بريطانيا القوة العالمية الأولى آنذاك أصبحت توجه تقريبا نصف استثماراتها إلى الخارج، فقد وجهت سنة 1860 تصدير رؤوس أموالها بنسبة 36 % نحو إمبراطوريتها الاستعمارية وبنسبة 10,5 % نحو أمريكا اللاتينية، التي تظهر حاليا كأشباه مستعمرات للاقتصاد الإنجليزي. في سنة 1880، ستبلغ هذه النسب 47 % بالنسبة للإمبراطورية و20 % بالنسبة لأمريكا اللاتينية . وبعبارة أخرى، فإن الدول المرتبطة ببريطانيا تمتص أكثر من ثلثي استثماراتها الخارجية. وقد أتبعت الدول الرأسمالية الأخرى مثل فرنسا وألمانيا، نفس الحركة الاستعمارية.
وسعت هذه الظاهرة السوق بطريقتين. أولا عبر إدماج مناطق جديدة في عملية التبادل التجاري حيث أن مناطق بعيدة مثل وسط إفريقيا، أصبحت منذ ذلك الحين مندمجة في الإنتاج التجاري. وحيث أصبحت جميع مناطق العالم تساهم في التبادل السلعي. ثم ثانيا عبر تصدير رؤوس الأموال. حيث كان هذا التصدير خجولا نوعا ما في السابق، إلا أنه سينتشر بسرعة مع نهاية القرن التاسع عشر. وقد أدى هذا العامل إلى تحويل العلاقات الاجتماعية لمناطق مدمجة حديثا أكثر فأكثر إلى علاقات رأسمالية. ذلك لأن رؤوس الأموال المستثمرة تحتم العمل على أساس هذه العلاقات. في مقابل ذلك تم طرد الفلاحين من أراضيهم لمنعهم من العيش على منتجاتهم الطبيعية (منتجات الأرض). حيث يصبحون مضطرين لبيع الملكية الوحيدة التي لازالوا يتوفرون عليها، وهي قوة عملهم. هؤلاء العمال، المحرومون من مواردهم الطبيعية، سيضطرون لاقتناء السلع المقدمة لهم من طرف الرأسماليين. فبهذه الطريقة أيضا تم توسيع السوق.
في نهاية القرن التاسع عشر أتاح هذا التوسع الاستعماري لمختلف الدول الأوروبية الخروج من الأزمة العامة. حيث عاد النمو إلى الانطلاق. فكانت حالات التوقف عن الإنتاج قصيرة ولم تعرقل بشكل حقيقي التطور الاقتصادي.
ومع ذلك، أفرزت الرأسمالية تناقضات هائلة، كما كان شأنها دائما. فميكانيزمات الأزمة الاقتصادية تضل حاضرة دائما من خلال التراكم الرأسمالي واستغلال عمل العمال والشعوب. ولكن بدلا من أن ينحصر أثرها في الدول الرأسمالية الأصلية (أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية) أصبحت منذ ذلك الحين تمتد على المستوى العالمي.
لقد أصبحت المستعمرات رهانا أساسيا بين الدول الرأسمالية تتسابق كلها إلى حيازة أكبر عدد ممكن منها، لأن ذلك يتيح لها، بفضل سياسة حمائية، ضمان نمو مقاولاتها الوطنية. وقد لاحظ لينين أن امتلاك المستعمرات يخول للاحتكارات ضمانات كافية للنجاح على الرغم من كل معوقات الصراع ضد منافسيها. وكلما تطورت الرأسمالية، كلما تزايد إحساسها بندرة المواد الأولية، واحتد الصراع العنيف للسيطرة على المزيد من المستعمرات .
إن المثل البريطاني يبين أهمية السيطرة الاستعمارية بالنسبة للاقتصاد الأكثر قوة في القرن التاسع عشر: فهذه المستعمرات أتاحت تصريف السلع البريطانية وتحقيق استثمارات مربحة كما هو الشأن بالنسبة للسكك الحديدية وجلب المواد الأولية الأساسية الضرورية لتطور الاحتكار مثل القطن الهندي.وقد أدخل الصراع حول المستعمرات الدول الإمبريالية إلى مرحلة تقسيم العالم.
تطورت التناقضات نتيجة ذلك بين هذه الدول. حيث هيمنت الدول الرأسمالية الأولى مثل بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا، على أهم المستعمرات. أما الرأسماليات الحديثة مثل ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان فلم تتمكن من الحصول عليها. غير أن الاحتكارات الأمريكية، لم تكن تعاني بشكل كبير من هذه المشكلة، لأنها تتوفر على سوق داخلي كبير كان عليها أن تغزوه.
لكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للباطرونا الألمانية. فهي لا تستطيع الدخول إلى المناطق الأكثر أهمية وعليها الاكتفاء بما يتبقى. وقد وجدت هذه الباطرونا أن هناك عراقيل مهمة أمام تحقيق تراكمها. فلا يمكن لمقاولاتها أن تتطور بشكل أسرع. كما أن هذه الدول، خصوصا ألمانيا والنمسا وهنغاريا في حاجة لمراقبة مناطق جديدة. والوسيلة الوحيدة المتبقية أمامها هي اغتصابها بالقوة من الدول الرأسمالية القديمة. لكن الرأسماليات القديمة لا يمكنها أن تتنازل عن ما يشكل مجالها المحفوظ. فكيف ستعمل إذن على معالجة هذا التناقض؟ إن المخرج الوحيد المتاح هنا هي الحرب.
على أساس ذلك انفجرت الحرب العالمية الأولى. حيث عرت الرأسمالية منذ ذلك الحين على وجهها الحقيقي البشع: فمن أجل أن يحمي الرأسماليون آفاق الربح والتراكم يدفعون بمواطنيهم نحو مذابح حقيقية عمت مختلف أرجاء العالم. ستفقد ألمانيا نتيجة انهزامها مجمل مستعمراتها القليلة. كما سيفرض عليها أداء تعويضات حرب هائلة. أما الإمبراطورية النمساوية الهنغارية فسيتم تفكيكها. أما بالنسبة للإمبراطورية التركية، المعنية هي الأخرى إلى جانب ألمانيا والنمساويين فسيتم اقتسامها فيما بين فرنسا وبريطانيا، على حساب شعوب الدول العربية التي وعدها الإنجليز بالاستقلال.
ثانيا: ظهور الأزمة الهيكلية في ضل الإمبريالية
أدت الحرب إلى تدمير مكثف لقوى الإنتاج. وعلى عكس ما تفيدنا به نظرية ماركس حول الدورات الاقتصادية، فإن ذلك لم يؤدي إلى مرحلة نمو اقتصادي جديدة. فالمجتمع الرأسمالي أصبح في مرحلة أزمة، بفترات صعود وهبوط ولم يحقق الإنتاج العالمي سنة 1923، وهي أحسن سنة بعد الحرب، مستوى سنة 1913. كما أن البطالة كانت قبل الحرب ظاهرة عابرة، أما بعدها فقد أصبحت دائمة .
وفي سنة 1929 انفجرت أزمة البورصات العالمية، مما أدى إلى انهيار شامل لم يعرف العالم مثله من قبل ولم ينج منها سوى الاتحاد السوفيتي الذي فك ارتباطه بالمنظومة الرأسمالية منذ 1917. رمت أزمة عقد الثلاثينات بالملايين من العمال على قارعة الطريق، بدون موارد تقريبا. بلغ عدد العاطلين في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1933 حوالي 13 مليون وبلغ عددهم في ألمانيا حوالي 6 ملايين وفي فرنسا 2 مليون .
لم تعد الأزمات الاقتصادية على شكل ظواهر معزولة تترتب بشكل دوري، حيث أصبحت ذات طابع مزمن. لقد أصبحت الأزمة إذن هيكلية. إنها لا تظهر فقط في حالة غياب تقويم التراكم وفي ضل التطور الفوضوي للرأسمالية. بل تجعل النظام الرأسمالي يبدو كما لو أنه لا يتيح آفاقا للعمال وللمواطنين، وكنمط إنتاج غير قادر على متابعة تطوير قوى الإنتاج وإشباع الحاجيات.
ثالثا: خصائص الأزمة الهيكلية
مصدر هذا الانقلاب هو تحول الرأسمالية من المنافسة الحرة إلى الرأسمالية الاحتكارية الإمبريالية . وقد أدى هذا التحول إلى تحول آخر في طبيعة الأزمة. فإضافة إلى طابعها المزمن، تغيرت خاصية الدورات الاقتصادية الظرفية. فمرحلة الرواج التي تعقب مرحلة التراجع، أصبحت لا تخرج الاقتصاد من ركوده العام كما يتأخر الرواج المنتظر، كما حدث في أزمة 1929. فالأزمات الدورية هي أكثر حدة وأكثر عمقا في الرأسمالية الاحتكارية منها في رأسمالية المنافسة الحرة . فماذا يؤدي إلى تعميق هذه الأزمات في ضل الإمبريالية؟ لماذا الأزمات الاقتصادية لم تعد ظرفية فقط وأصبحت هيكلية؟ بمعنى لماذا اكتسبت طابعا مزمنا؟
(1) – تحطيم قوى الإنتاج أصبح صعبا في ضل الاحتكارات:
المقاولات التي أصبحت تدخل في منافسات ضارية لم تبقى عبارة عن شركات متوسطة. بل أصبحت شركات ضخمة. فاللجوء إلى حل تحطيم قوى الإنتاج كوسيلة لمعالجة الأزمة تعني إفلاس الاحتكارات. فاختفاء شركة صغيرة أو متوسطة، لا يطرح العديد من المشاكل على الرأسماليين، حتى وإن كان الأمر يعني رمي العمال إلى الشارع. لكن بالنسبة للاحتكارات، فإن الأمر مختلف تماما.
فالاحتكارات تتوفر على هيمنة حقيقية على السوق. حياة أو موت المقاولات يعتبر أمرا عاديا في الرأسمالية حيث يختفي الضعيف ويبقى القوي، وحيث يحاول كل رأسمالي الحفاظ على وجوده وتراكمه. ويحاول الرأسمالي الصغير الالتفاف على قوانين السوق ومن خلال هذه المنافسة الحرة تولد الاحتكارات.
وبدلا من خضوع الاحتكارات لقواعد السوق، فإنها تستعملها لصالحها وتحاول إلغاء الآثار التي تعرقل أنشطتها، فبهذه الطريقة تحاول الحد من منافسة الاحتكارات الأخرى، التي تهددها بقوة. أو تعمل على تشكيل كارتيلات للحد من الانهيارات الحادة في الأسعار، المرتبط بصعوبات تصريف المنتجات أو تعمل أيضا على خلق سوق داخلية محمية من التدهور.
كما تتوفر الاحتكارات على روابط وثيقة مع السلطات المهيمنة على جهاز الدولة، حيث يصبح دور هؤلاء هو حماية المقاولات الوطنية الكبرى ضد المنافسة الأجنبية. وعند الحاجة، إذا كانت الشركات الوطنية في ضائقة، فإن السلطات العمومية يمكنها إما أن تقديم نقود مقتطعة من العمال من أجل إنقاذها، أو فرض رسوم جمركية من أجل التخفيف مؤقتا من ضغط المنافسين الأجانب.
تتضافر جميع هذه المبادرات لتفادي إقفال الشركات الاحتكارية الكبرى. لكن الخروج من الأزمة في هذه الظروف عبر تحطيم القوى الإنتاجية، أصبح يطرح إشكالية معقدة. ففي فترة الأزمة، تعمل الاحتكارات على تدمير المنتجين الصغار، والإلغاء المكثف للأشكال ما قبل الرأسمالية للإنتاج، وتحطيم منتجي دول العالم الثالث، الخ … وإذا تعمقت الأزمة أكثر فلا يكفي لعلاج المشكل إقفال بعض الأوراش ولا حتى بعض المعامل. كما أنه في مرحلة معينة، لا يبقى في الساحة سوى عدد قليل من الاحتكارات على المستوى الدولي، المنطق الرأسمالي يفرض تدمير آخر لوسائل الإنتاج ولقوى الإنتاج. ويترتب ذلك بطبيعة الحال من جراء تعميق الأزمة التي حدثت بسبب تعمق تناقضات النظام.
إن عمليات الاندماج بين الشركات الاحتكارية الكبرى باتت تشكل جوابا جزئيا عن هذا المشكل. فمن جهة، يتم إلغاء منافسين من خلال إدماجهم في شركات أكبر، بحيث يصبح احتكارا ذو أهمية أكبر. ثم إن اندماج رأس المال يشجع أيضا، ليس فقط، على عقلنة أكبر للإنتاج، من خلال إلغاء المصانع والورشات، وتركيز الإنتاج على عدد أقل من المصانع، … الخ، وإنما كذلك عن طريق تسريح أكبر للعمال. ويكرس من جهة أخرى الاحتكار، لأن قدرات الإنتاج لم تختف، وإنما انتقلت نحو وحدات أكبر، وأكثر تنافسية. فضرورة إلغاء أحد هذه الاحتكارات أصبح بذلك أكثر قوة، إلا أنها تتمكن من الهروب بشكل أفضل من قوانين السوق والحصول بالتالي على دعم غير مشروط من طرف سلطات دولها. وبهذه الطريقة يتم نقل تناقضات النظام الرأسمالي نحو مستوى أعلى.
(2) – توسيع السوق أصبح محدودا مع تطور الإمبريالية:
أصبح توسيع السوق أكثر صعوبة في ضل الإمبريالية منه في ضل رأسمالية المنافسة. ففي ضل رأسمالية المنافسة كان من الممكن بالنسبة لدولة في حالة أزمة اللجوء إلى التجارة الخارجية لتصريف منتجاتها، التي لا تجد من يشتريها في نفس البلد. فبهذا الأسلوب توسعت الرأسمالية عبر أوروبا خلال القرن التاسع عشر، ثم عبر العالم مع نهاية هذا ال














